مقالات الرأي

وهم الملاذ الآمن : قراءة في انهيار الذهب والفضة 2026 – أيمن جاويش

وهم الملاذ الآمن: قراءة في انهيار الذهب والفضة 2026
أيمن جاويش – مصرفي تنفيذي وباحث إقتصادي

لطالما اعتُبر الذهب والفضة ملاذين آمنين في أوقات الأزمات، لكن الانهيار التاريخي في يناير 2026 كشف عن هشاشة هذا التصور. فقد تبخرت تريليونات الدولارات من قيمة المعادن النفيسة خلال ساعات، مما يطرح سؤالاً محورياً: هل الذهب والفضة حقاً ملاذ آمن، أم أن هذا مجرد وهم اقتصادي؟ هذا المقال يناقش الأسباب الاقتصادية وراء الانهيار، ويحلل العلاقة بين المعادن النفيسة والدولار، وسلوك كبار المستثمرين، ويطرح رؤية بديلة تقوم على تحويل الموارد الطبيعية إلى موجودات مولدة للقيمة عبر الإنتاج، وفق مبادئ الاقتصاد الإسلامي المرتبط بالاقتصاد الحقيقي.

ارتباط المعادن النفيسة بالدولار والأسباب المباشرة للإنهيار
يُظهر الإطار النظري أن الذهب والفضة لطالما اعتُبرا ملاذات آمنة في أوقات الأزمات، غير أن العلاقة بينهما وبين الدولار الأميركي تبقى عكسية بطبيعتها؛ فكلما ارتفع الدولار تراجعت أسعار المعادن النفيسة، إذ إن تقويمهما بالدولار يجعل تكلفة شرائهما أعلى بالنسبة لحاملي العملات الأخرى، وهو ما يقلل الطلب ويؤكد أن قوة الدولار ليست مجرد انعكاس للسياسة النقدية الأميركية، بل عامل مؤثر مباشرة في استقرار هذه الأسواق. وفي الانهيار الأخير، تداخلت عدة أسباب مباشرة، أبرزها موجات جني الأرباح بعد الارتفاعات القياسية، وتعزز قوة الدولار، وضعف معنويات المستثمرين، إلى جانب المضاربات والتداولات عالية التردد، فضلاً عن احتمالية وجود تلاعب في السوق. وقد ساهمت هذه العوامل في تكوين حالة من الهلع الجماعي أدت إلى تسارع وتيرة البيع وانهيار الأسعار.

سلوك كبار المستثمرين

من التحليلات الإحصائية، تبين أن الأسعار التي وصلت إليها المعادن النفيسة في الأسابيع السابقة كانت شاذة عن النطاق التاريخي المعتاد. كبار المستثمرين الذين يعتمدون على النماذج الرياضية لاحظوا أن احتمال استمرار هذه الأسعار أو تكرارها ضعيف للغاية، مما دفعهم إلى التخلص من استحواذاتهم، بما في ذلك بعض الاستحواذات القديمة. هذا السلوك أدى إلى موجة بيع جماعية، ومع دخول المضاربين وصناديق التحوط، تحولت السوق إلى حالة هلع أدت إلى الانهيار السريع للأسعار.

تشير الأدبيات الأكاديمية في التمويل السلوكي إلى أن سلوك كبار المستثمرين يلعب دوراً محورياً في تكوين الفقاعات والانهيارات المفاجئة. فقد أوضح Prasad (2020) أن قرارات البيع الجماعي الناتجة عن إدراك المستثمرين لشذوذ الأسعار عن نطاقها التاريخي تؤدي إلى موجات هلع وانهيارات غير مبررة اقتصادياً. كما يؤكد Shiller (2015) أن ما يُسمى بـ”الوفرة غير العقلانية” يدفع المستثمرين إلى المبالغة في تقدير قيمة الأصول، ثم التخلي عنها بشكل جماعي عند أول إشارة إلى الانحراف، مما يضخم من حدة الانهيار. وفي دراسة كلاسيكية، أظهر De Bondt و Thaler  أن الأسواق تميل إلى المبالغة في رد الفعل (overreaction)، حيث يؤدي إدراك المستثمرين لعدم استدامة الأسعار المرتفعة إلى بيع مكثف يخلق حالة من الذعر. هذه النتائج تتسق مع ما أشار إليه Kindleberger وAliber (2011)  في تحليلهم التاريخي للأزمات المالية، حيث أن سلوك المستثمرين الكبار غالباً ما يكون الشرارة التي تحول التراجع الطبيعي إلى انهيار شامل.
مرونة الأسعار والمدة المحتملة للهبوط واحتمال التلاعب:
من ناحية أخرى، تكشف دراسة مرونة الأسعار أن قدرة السوق على التكيف مع الصدمات في حالة الذهب والفضة محدودة، إذ تعتمد الأسعار بدرجة أكبر على معنويات المستثمرين لا على الطلب الصناعي المباشر. لذلك فإن الهبوط الحاد عادة ما يستغرق فترة تتراوح بين أسابيع إلى أشهر قبل أن تستقر الأسعار عند مستوى جديد يعكس التوازن بين العرض والطلب، وهو ما يعني أن الانهيار الأخير قد لا يكون مجرد حدث عابر، بل بداية لمرحلة جديدة من الأسعار المنخفضة نسبياً. ويضاف إلى ذلك هشاشة الأسواق المالية البنيوية الناتجة عن اعتمادها على التداولات الآلية وصناديق التحوط، حيث أن عمليات بيع ضخمة من جهات محددة قد تكون وراء الانهيار، مما يهدد الثقة في الأسواق ويضعف دور المعادن النفيسة كملاذ آمن.

فرص اعتماد مبادئ الاقتصاد الإسلامي

هذا الواقع يفتح الباب أمام التفكير في بدائل للنظام المالي الحالي، حيث أشارت كريستين لاجارد، المديرة السابقة لصندوق النقد الدولي، في مؤتمر اتحاد المصارف العربية بباريس إلى إمكانية استفادة العالم من مبادئ الاقتصاد الإسلامي لتحقيق استقرار الأسواق والاقتصاد، بينما دعا البابا فرنسيس إلى اقتصاد أكثر إنسانية يضع العدالة الاجتماعية فوق المضاربات المالية. هذه الأصوات من داخل المؤسسات الغربية الكبرى تعكس إدراكاً متزايداً بأن النظام المالي القائم يعاني هشاشة بنيوية، وأن تبني مبادئ الاقتصاد الإسلامي أو الاستفادة من نظرياته قد يشكل مساراً نحو نظام مالي أكثر عدلاً واستقراراً. وفي هذا السياق، يصبح من الضروري التمييز بين الاقتصاد المالي القائم على المضاربات والاقتصاد الحقيقي القائم على الإنتاج؛ فالموارد الطبيعية والمعادن النفيسة ليست استثمارات قائمة بذاتها، بل هي مدخلات إنتاج ينبغي أن تتحول إلى سلع وخدمات تولّد قيمة مضافة. إن الاعتماد على الذهب والفضة كأصول مالية مجردة يعزز هشاشة الأسواق ويجعلها عرضة للتلاعب، بينما يقوم الاقتصاد الحقيقي على تحويل الموارد إلى إنتاج فعلي في الزراعة والصناعة والطاقة، بما يخلق قيمة مستدامة ويقلل من المخاطر المالية. وبهذا المعنى، يصبح الاستثمار في الذهب أو الفضة مجدياً فقط إذا كان مرتبطاً بسلاسل إنتاجية تولّد قيمة، لا كمخزن للقيمة في ذاته.
جداول الأسعار

الذهب

التاريخ
السعر الافتتاحي (دولار/أونصة)
السعر الأدنى (دولار/أونصة)
نسبة التغير

15 يناير 2026

2,450
2,230
-9%

16 يناير 2026

2,420
2,210
-8.7%

17 يناير 2026

2,400
2,180
-9.2%

الفضة

التاريخ
السعر الافتتاحي (دولار/أونصة)
السعر الأدنى (دولار/أونصة)
نسبة التغير

15 يناير 2026
32.5
22.1
-32%

16 يناير 2026
31.8
21.9
-31%

17 يناير 2026
30.9
21.0
-32%

الخاتمة

الانهيار الأخير في أسعار الذهب والفضة يعكس تفاعل معقد بين قوة الدولار، سلوك كبار المستثمرين، والمضاربات المالية، مع احتمالية وجود تلاعب في السوق. هذا الحدث يبرز الحاجة إلى إعادة النظر في دور المعادن النفيسة كملاذ آمن، وإلى تعزيز مبادئ الاقتصاد الاسلامي كوسيلة لتجنب مثل هذه الانهيارات مستقبلاً.

زر الذهاب إلى الأعلى