مقالات الرأي

حين تتحول «العمامة» إلى منصة استعراض ويُباع الزهد في سوق الكاميرات

شيخ الأمين… حين تتحول العمامة إلى منصة استعراض ويُباع الزهد في سوق الكاميرات – كتب محمد عثمان الرضي

ظلت الطرق الصوفية في السودان تمثل ركيزة روحية واجتماعية راسخة، وحظي مشايخها عبر التاريخ باحترام عميق ومكانة رفيعة في وجدان الناس.

هؤلاء المشايخ لم يكونوا مجرد وعاظ، بل كانوا ملاذاً للمحتاجين ووسطاء للصلح وحمائم سلام في أوقات الأزمات.

فتحوا بيوتهم قبل قلوبهم، وأنفقوا في الخفاء، وآثروا العمل الصامت الذي لا ينتظر تصفيقاً ولا أضواء كاميرات.

لكن صورة الزهد هذه اهتزت مع بروز اسم الشيخ المثير للجدل شيخ الأمين الذي اختار طريقاً مختلفاً، أقرب إلى الاستعراض منه إلى الخلوة.

فقد ملأ الفضاء الإعلامي ضجيجاً بحديثه عن عطاياه، حتى بدا المشهد وكأن الكاميرا صارت شريكاً في الصدقة.

عقب اندلاع الحرب في الخرطوم، رفض مغادرة مسيده، وقرر البقاء لخدمة المواطنين، وهي خطوة تحسب له في ظاهرها.

غير أن تحويل هذا الموقف إلى مادة يومية للعرض الإعلامي أفقده كثيراً من بريقه وأثار تساؤلات مشروعة حول النوايا.

العمل الإنساني يفقد جوهره حين يتحول إلى منصة للمنّ والتذكير بالعطاء، فكرامة المحتاج خط أحمر لا يجوز تجاوزه تحت أي لافتة.

حين يتحدث الشيخ عن فضائله بتكرار لافت، فإنه يضع نفسه في موضع مساءلة أخلاقية قبل أن يكون موضع نقد إعلامي.

الصدقة التي تُروى تفاصيلها على الملأ تتحول من قيمة روحية إلى مادة جدل، ومن فعل خالص إلى مشهد قابل للتأويل.

المؤلم أن هذا الأسلوب يخصم من الرصيد الرمزي للطرق الصوفية التي عُرفت عبر تاريخها بالتواضع وكتمان الإحسان.

لا أحد ينكر أن البقاء وسط أتون الحرب شجاعة، لكن الشجاعة الحقيقية تكتمل بالصمت، لا بتكرار الحكاية على مسامع الناس.

المريدون الذين اعتادوا رؤية شيخهم مثالاً للزهد، وجدوا أنفسهم أمام خطاب يغلب عليه التذكير بالعطاء وكأنه إنجاز شخصي لا واجب ديني.

المنّ والأذى لا يكونان فقط بالفعل، بل بالكلمة التي تُشعر المحتاج بأنه مدين لصاحب الفضل أمام الرأي العام.

رجال التصوف الحقيقيون كانوا يهربون من الشهرة كما يهرب غيرهم من الفتنة، لأنهم يدركون أن الأضواء قد تحرق المعاني.

الشيخ المثير للجدل بحاجة إلى مراجعة صريحة مع نفسه، بعيداً عن عدسات التصوير ومنصات البث المباشر.

المقام الروحي لا يحتمل خلط الأوراق بين خدمة الناس وبناء الصورة العامة.

الناس لا تريد خطابات تمجيد ذاتي، بل تريد قدوة صامتة تشبه تاريخ المشايخ الذين عملوا في الظل وتركوا أثراً في النور.

التصوف رسالة أخلاق قبل أن يكون مظهراً أو مسمى، ومن يتصدره مطالب بأن يكون أكثر حرصاً على المعنى من المشهد.

من يعمل لوجه الله لا يحتاج إلى حملات ترويج، ومن يطلب ثواب الآخرة لا يسابق عدسات الكاميرات.

الكرة اليوم في ملعب الشيخ، فإما أن ينحاز لجوهر الطريق الصوفي القائم على الإخلاص والتجرد، أو يواصل مساراً يبدد ما تبقى من رصيد ويعمق الجدل حوله.

زر الذهاب إلى الأعلى