مقالات الرأي

أرواح تحت التجربة… وزارة الصحة تتفرج على الموت في بورتسودان

أرواح تحت التجربة… وزارة الصحة تتفرج على الموت في بورتسودان – كتب: محمد عثمان الرضي

قرار إغلاق مركز «قادرين» لعلاج الإدمان بمدينة بورتسودان كشف حجم الفشل المؤسسي الذي ظل مستتراً لعامين كاملين، ليظهر اليوم كفضيحة مدوية أمام الرأي العام.

وزارة الصحة بولاية البحر الأحمر اتخذت قرارها بعد وفاة شخصين وبتر طرف ثالث، لكنها لم تتحرك إلا بعد أن وقع الموت، وكأن الأرواح ليست إلا إنذارات تتجاهلها الأجهزة الرسمية.

الأسئلة تتوالى بلا إجابة: كيف سُمح للمركز بالعمل لعامين كاملين دون رقابة حقيقية؟ وهل كان الترخيص أصلاً قائماً على معايير السلامة أم مجرد ورقة رسمية بلا معنى؟
الإخفاق هنا ليس تقصيراً فردياً، بل فشلاً مؤسسياً، فقد ظل المركز يعمل بحرية بينما كانت وزارة الصحة غائبة تماماً عن متابعة نشاطه اليومي.

تم افتتاح المركز على يد وزير الرعاية الاجتماعية الاتحادي السابق محمد آدم بخيت، وبرفقة والي ولاية البحر الأحمر الفريق الركن مصطفى محمد نور، في احتفال رسمي غطته كل وسائل الإعلام المحلية والأجنبية، وكأن الحفل كان أكثر اهتماماً من حياة المرضى أنفسهم.

المركز تلقى دعماً خارجيّاً من حكومات المملكة العربية السعودية ودولة قطر، إلى جانب دعم جهات رسمية وغير رسمية محلية، ما يجعل التساؤل عن إدارة الموارد ومراقبتها أكثر إلحاحاً.

المركز احتضن أعداداً كبيرة من مدمني المخدرات، منهم من تعافى تماماً ومنهم من يتلقى العلاج على نفقة المركز، وتوفرت لهم وجبات الطعام ووسائل الترفيه، ومع ذلك لم يمنع كل ذلك وقوع الفواجع المأساوية، وهو ما يعكس خللاً جسيماً في الإدارة والإشراف.

المركز يعمل تحت إشراف منظمة «بت مكلي» القومية، المملوكة للدكتورة لبنى علي عبد الرحمن، ابنة اللواء المتقاعد علي مكلي، أحد ضباط الدفعة 16 بالجيش السوداني، والتي تحمل ولاءً واضحاً لشرق السودان وتختار البقاء فيه رغم عيش أسرتها في كندا.

القضية هنا ليست أشخاصاً ولا نوايا، بل أرواح أزهقت وأجساد شوهت، ودولة كان يفترض أن تحمي لكن تقاعست، تاركة الفاجعة تتحقق على أرض الواقع.

وزارة الصحة مطالبة اليوم بالقيام بدورها على أكمل وجه، فحماية حياة المواطنين ليست مجالاً للمجاملة أو التبريرات.

أين فرق التفتيش والرقابة؟ أين الزيارات الدورية شبه اليومية لمثل هذه المراكز الحساسة؟ هل تمتلك الإدارة المختصة كوادر مؤهلة ومدربة؟ وأين التقارير الشهرية عن أداء المركز؟

قبل محاسبة إدارة المركز، يجب محاسبة وزارة الصحة نفسها، لأنها من منحت الترخيص وغابت عن الرقابة، محملة المسؤولية كاملة عن الصمت الذي أودى بحياة مرضى.

تشكيل لجنة تحقيق عاجلة مع مدير عام وزارة الصحة بالولاية ضرورة أخلاقية ومهنية، لأن ما حدث لا يطاق وصفه إلا بالإخفاق المؤسسي الجسيم.

بعد ذلك يمكن الانتقال لمحاسبة إدارة المركز إذا ثبت وجود تقصير أو إخلال، أما مجرد إغلاق المكان دون مساءلة المشرفين فهو هروب إلى الأمام.

الأكثر صدقاً وعدلاً أن تعرض الوزارة آراء أسر المتوفين كاملة، وأن تكشف ما تلقوه من تعامل من إدارة المركز، دون تجميل أو انتقاء.

كما يجب تقديم تقرير طبي محايد يوضح أسباب الوفاة والخدمات المقدمة، حتى لا يتحول الملف إلى مجرد خبر عابر بلا قيمة.

ما حدث في مركز «قادرين» ليس حادثاً منفرداً، بل جرس إنذار مدوٍ لكل المراكز المماثلة، إما أن تُسمع صرخاته الآن، أو ننتظر فواجع أكبر تحت إشراف وزارة لا تتحرك إلا عند سماع صوت الموت.

زر الذهاب إلى الأعلى