متابعات – نبض السودان
انعقد في برلين مؤتمر ناقش مستقبل السودان، إلا أن الطاولة بدت فارغة من صوت ممثل البلاد الشرعي. في مشهد يعكس حالة العبث الدولي بالأزمة السودانية، انعقد هذا المؤتمر الذي جاء تحت شعار إنساني، ليؤكد مجددًا أن القوى الغربية والإقليمية لا تزال تتعامل مع السودان بعقلية استعمارية تتجاوز الدولة الوطنية. فالمؤتمر الذي انعقد في 15 أبريل 2026، بتنظيم من ألمانيا والاتحاد الأوروبي وبريطانيا وفرنسا وأمريكا، استبعد الحكومة السودانية الشرعية برئاسة الدكتور كامل إدريس من المشاركة، بل ولم توجه أي دعوة رسمية لها. هذا الإقصاء المتعمد لم يكن خطأ بروتوكولياً عابراً، بل هو سابقة خطيرة تؤسس لنهج وصفي استعماري في العلاقات الدولية، كما عبرت عنه وزارة الخارجية السودانية بوضوح.
وفي الوقت الذي انعقد فيه المؤتمر داخل أروقة وزارة الخارجية الألمانية، كان المشهد الحقيقي لإرادة الشعب السوداني يُرسم في الشارع المقابل. فقد خرج المئات من أبناء الجالية السودانية والمتضامنين من مختلف الدول الأوروبية في مظاهرات حاشدة أمام مقر انعقاد المؤتمر. رفع المحتجون لافتات تندد بتجاهل إرادتهم الوطنية، وهتفوا بشعارات قوية تؤكد وقوفهم خلف القوات المسلحة في معركة الكرامة، وترفض أي مسار سياسي يفرض من الخارج. لم تكن هذه الوقفة مجرد تعبير عن الرفض، بل كانت اتهاماً مباشراً لدولة الإمارات بدعم مليشيا “الدعم السريع”، حيث وصفوا المؤتمر بأنه محاولة لشرعنة “شراكة الدم” وتمرير أجندة إقليمية على حساب السيادة السودانية. كما هاجم المتظاهرون بشكل خاص شخص رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، الذي يشارك في المؤتمر تحت مظلة تحالف “صمود”، ورددوا شعارات تتهمه بالتماهي مع أجندة المليشيا وطالبوا بمحاسبته قانونياً، معتبرين أن تحركاته لا تمثل سوى دوائر الدعم الإماراتية والغربية التي تقف خلفه. وقد أكد المحتجون أن أي حل مفروض يتجاهل حكومة السودان الشرعية ومؤسساتها الوطنية هو مسار مرفوض شعبياً، وأن وقف الحرب يبدأ أولاً بوقف التدخلات الخارجية التي تغذي نيرانها.
غياب الدولة كان حضوراً لاستراتيجية التآمر
لم يكن الغرض من المؤتمر إغاثة إنسانية بقدر ما كان حشداً للدعم الدولي لمسار سياسي يخدم مصالح الجهات المنظمة، وعلى رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة التي شاركت بقوة في المؤتمر رغم التقارير الدولية العديدة التي تتهمها بتأجيج الصراع. وقد اختارت الجهات المنظمة استدعاء كيانات مثل تحالف “صمود” بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، الذي شارك في المؤتمر وغرد في فلك الأجندة الغربية.
أصبح حمدوك، الذي ترأس حكومة انتقالية سابقة، رمزاً للأجندات الخارجية التي تسعى لشرعنة الوصاية الدولية على القرار السوداني. فتحالف “صمود” الذي يرأسه، والذي تشكل عقب انقسام تنسيقية “تقدم”، يطرح نفسه كبديل مدني، لكنه في الواقع يفتقر لأي قاعدة شعبية عريضة ويعتمد في بقائه السياسي على الدعم المالي والدبلوماسي من دوائر غربية وإماراتية ترى فيه أداة لتقويض الدولة المركزية وشرعنة مخططات التقسيم.
أدلة دامغة وفضائح أخلاقية
ترافق هذا المؤتمر مع سيل من التقارير الدولية التي تكشف بوضوح كيف أن الإمارات ومن خلفها من لاعبين غربيين حذرين يمدون “الدعم السريع” بكل مقومات القوة والبقاء. فخلال الأشهر والسنوات الماضية، وثقت جهات متعددة أدلة قاطعة على تورط الإمارات في تأجيج الحرب
وبهذا الخصوص، كشف تحقيق سري أجراه خبراء أمميون عن وجود “جسر جوي إقليمي جديد” و”نمط منتظم” لرحلات الشحن من الإمارات إلى تشاد، حيث يتم تهريب الأسلحة براً إلى داخل السودان. وقد أشار التقرير إلى أن الطائرات كانت تتعمد إطفاء أجهزة الإرسال (الرادارات) لتضليل المراقبة الدولية، وهو أسلوب قتالي لا تقوم به إلا جهات متورطة في أعمال سرية.
وفي مايو 2025، نشرت منظمة العفو الدولية “أمنستي” تقريراً يوثق بالصور والتحاليل كيف قامت الإمارات بتزويد “الدعم السريع” بأسلحة متطورة، شملت قنابل موجهة ومدافع ميدانية، في انتهاك صارخ لحظر الأسلحة الأممي. وأكد التقرير أن هذه الأسلحة استخدمت حصرياً من قبل قوات “الدعم السريع” في عمليات قصف ممنهجة ضد المدنيين.
هذه الأسلحة لم تستخدم فقط في قتال الجيش، بل كانت أدوات لجرائم حرب مروعة ضد المدنيين. فقد وثقت الأمم المتحدة وهيومن رايتس ووتش أن قوات “الدعم السريع” مارست انتهاكات واسعة النطاق تشمل القتل الجماعي والاغتصاب والتعذيب والاختطاف في دارفور والخرطوم والجزيرة وكردفان. بل إن تقريراً صدر عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في ديسمبر 2025 فصّل “أنماطاً مروعة” من الانتهاكات خلال استيلاء “الدعم السريع” على مخيم زمزم للنازحين في دارفور.
وعرضت الاستخبارات السودانية للصحافة الدولية مخازن أسلحة ومعدات قتالية تم الاستيلاء عليها من قوات “الدعم السريع” تحمل أختاماً واضحة لدولة الإمارات العربية المتحدة، بما في ذلك صواريخ “كورنيت” المضادة للدروع ومعدات عسكرية أخرى.
أما الغرب، وخصوصاً بريطانيا وأمريكا، فيتورطون أيضاً من خلال التعتيم والتواطؤ. فعلى الرغم من أن التقارير الأممية أكدت أن الأسلحة البريطانية الصنع كانت تجد طريقها إلى أيدي “الدعم السريع” عبر الإمارات، استمرت لندن في منح تراخيص تصدير السلاح للإمارات دون مساءلة.
هذه الأدلة تؤكد أن الحرب في السودان ليست مجرد صراع داخلي على السلطة، بل هي حرب بالوكالة تشارك فيها الإمارات كطرف ممول ومسلح رئيسي، وتقف خلفها قوى غربية لا تريد الاستقرار للسودان إلا وفق شروطها.











