السم في العسل.. «صمود» يحاول إشعال الفتنة بين المصريين والسودانيين باسم الإنسانية

متابعات- نبض السودان
في توقيت بالغ الحساسية، أطلق تحالف «صمود» بقيادة عبد الله حمدوك بيانًا وُصف بالإنساني والعاجل، موجّهًا نداءً إلى السلطات المصرية بشأن أوضاع السودانيين، لا سيما النساء والأطفال من ملتمسي اللجوء. غير أن قراءة متأنية لمضامين البيان، وما سبقه من ردود رسمية سودانية ومصرية، تكشف عن محاولة واضحة لدس السم في العسل، وإشعال نيران فتنة مكتومة بين الشعبين المصري والسوداني، عبر خطاب يتجاهل الوقائع ويتجاوز الحقائق المعلنة.
بيان إنساني أم خطاب مُسيّس
لجنة المرأة في التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود» قدّمت بيانها في قالب إنساني، تحدث عن الاحتجاز والترحيل وتوفيق الأوضاع القانونية، واستند إلى اتفاقيات دولية مثل اتفاقية اللاجئين لعام 1951، وبروتوكول 1967، واتفاقية حقوق الطفل. غير أن البيان تعمّد تصوير المشهد وكأن هناك حملة ممنهجة تستهدف السودانيين في مصر، وهو توصيف لا تدعمه المعطيات الرسمية على الأرض.
البيان تجاهل بشكل لافت السياق الأمني والإقليمي، وتجاهل كذلك حقيقة أن الإجراءات المصرية تتعلق بتنظيم الوجود الأجنبي عمومًا، ولا تستهدف السودانيين على وجه الخصوص، وهو ما أكده مسؤولون من الجانبين.
محاولة إشعال الفتنة بين شعبين
خطورة بيان «صمود» لا تكمن فقط في مضمونه، بل في توقيته ولغته، حيث جاء في وقت تشهد فيه المنطقة توترات أمنية، وتسعى فيه أطراف سياسية إلى إعادة التموضع عبر تصدير أزمات خارجية، البيان بدا وكأنه يزرع الشك في نوايا الدولة المصرية، ويُغذي سردية مظلومية غير دقيقة، ما يفتح الباب أمام توتير العلاقات الشعبية بين شعبين تجمعهما روابط تاريخية واجتماعية عميقة.
الخطاب المستخدم يخلط بين الحالات الفردية والإجراءات العامة، ويُحمّل الدولة المصرية مسؤوليات تتجاوز ما تفرضه الاتفاقيات الدولية، متغافلًا عن حجم الاستضافة غير المسبوق الذي تتحمله القاهرة منذ اندلاع الحرب في السودان.
نفي سوداني قاطع للأكاذيب
الرد جاء سريعًا وحاسمًا من الجانب السوداني، سفير السودان بالقاهرة، الفريق أول ركن مهندس عماد الدين عدوي، نفى بشكل قاطع وجود أي طلب من الحكومة السودانية لتقييد وجود السودانيين في مصر، واصفًا ما يُتداول في هذا الشأن بأنه «أوهام».
وخلال مؤتمر صحفي بمقر السفارة السودانية في التجمع الخامس، شدد السفير على أن السودانيين ملتزمون بالقوانين المصرية المنظمة للهجرة، مؤكدًا أن لكل دولة سيادتها الكاملة في تنظيم وجود الأجانب على أراضيها، وأن الإجراءات المصرية لا تستهدف السودانيين تحديدًا.
تقدير سوداني للموقف المصري
السفير عدوي لم يكتفِ بالنفي، بل عبّر عن تقدير السودان العميق للإجراءات المصرية، مشيرًا إلى أن القاهرة راعت الزيادة الكبيرة في أعداد السودانيين منذ اندلاع الحرب، وأن خصوصية العلاقات بين البلدين كانت ولا تزال عاملًا حاسمًا في التعامل مع هذا الملف المعقد.
وأكد أن الإجراءات التأمينية في مصر تشمل جميع الأجانب دون تمييز، في وقت يُقدّر فيه عدد السودانيين المقيمين في مصر بنحو ستة ملايين شخص، وهو رقم يعكس حجم العبء الذي تتحمله الدولة المصرية.
تنسيق دائم وحلول عملية
السفير السوداني أوضح أن هناك تنسيقًا دائمًا بين السفارة والسلطات المصرية لمعالجة أي تحديات تواجه السودانيين، وأن دور السفارة يتركز على الرعاية والتنسيق ومعالجة أي تشوهات قد تطرأ على أوضاع المقيمين.
وكشف عن جهود مشتركة للإفراج عن عدد من السجناء السودانيين عبر سداد الغرامات وإعادتهم إلى البلاد، مؤكدًا أن عددهم لا يتجاوز 400 سجين، وهو ما يفنّد مزاعم التوسع في الاحتجاز أو الاستهداف.
الداخلية المصرية تطمئن السودانيين
من جانبها، حرصت وزارة الداخلية المصرية على طمأنة الجالية السودانية، مؤكدة أن المسجلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مأمن كامل، وأن أي تشديد أمني يستهدف عناصر خطرة أو مخالفين للقانون، بغض النظر عن جنسياتهم.
الرسالة المصرية كانت واضحة، التنظيم لا يعني التضييق، وتطبيق القانون لا يعني الاستهداف، وهو ما يتناقض كليًا مع الصورة التي حاول بيان «صمود» رسمها.
واقع يناقض سردية صمود
الواقع على الأرض، والتصريحات الرسمية من الخرطوم والقاهرة، تكشف أن بيان تحالف صمود لا يعكس حقيقة المشهد، بل يوظّف ملفًا إنسانيًا بالغ الحساسية لأغراض سياسية، في محاولة لإعادة تصدير نفسه كمدافع عن الحقوق، ولو على حساب العلاقات بين الشعبين.
إثارة المخاوف، والتلويح بالقانون الدولي دون سند واقعي، لا يخدم النساء ولا الأطفال، بل يفتح الباب أمام توترات لا يحتاجها السودانيون في هذه المرحلة الحرجة.
العلاقات المصرية السودانية أقوى من البيانات
رغم محاولات دس السم في العسل، تظل العلاقات المصرية السودانية عصيّة على الفتنة، مدعومة بتاريخ طويل من التداخل الاجتماعي، والمصالح المشتركة، والتنسيق الرسمي المستمر.
الرهان على شق الصف الشعبي أو التشكيك في نوايا الدول الداعمة للسودان لن ينجح، خاصة في ظل وعي متزايد بحقيقة من يستثمرون في الأزمات، ومن يعملون فعليًا على احتوائها.
بيان تحالف صمود، وإن ارتدى ثوب الإنسانية، حمل بين سطوره رسائل سياسية مقلقة، تجاهلت النفي الرسمي السوداني، والتطمينات المصرية، وسعت إلى تأجيج الرأي العام بدل تهدئته. وفي المقابل، جاءت الردود الرسمية لتعيد الأمور إلى نصابها، وتؤكد أن ما يُثار عن تقييد أو استهداف هو محض أوهام لا تصمد أمام الحقائق.











