
متابعات – نبض السودان
دخلت الحرب على غزة مرحلة حرجة ومعقدة مع بروز أحدث مقترح للوسطاء لوقف القتال والإفراج عن الرهائن، الذي شهد مفاجأة بموافقة حركة حماس عليه بشكل غير مسبوق، في مقابل تحفظ واضح من حكومة الاحتلال الإسرائيلي.
فقد اعتبر مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن سياسة إسرائيل “ثابتة ولم تتغير”، مشددًا على أن الإفراج عن جميع الرهائن يجب أن يتم دفعة واحدة وفق المبادئ المعتمدة من المجلس الوزاري المصغر.
التباين الإسرائيلي والحزمي في الموقف
يفتح هذا التباين في المواقف تساؤلات محورية حول ما إذا كان الموقف الإسرائيلي يمثل رفضًا عمليًا للمقترح أو مجرد مناورة تفاوضية. كما يثير التساؤل عن أسباب مرونة حماس المفاجئة بعد أشهر من التصعيد العسكري، وما إذا كانت هذه الورقة تمثل “الفرصة الأخيرة” لوقف الحرب، أم أن الباب ما زال مفتوحًا لجولات تفاوض جديدة.
وأكدت مصادر مصرية أن المقترح الذي قبلته حركة حماس جاء بضمانة أميركية مباشرة وبرعاية الرئيس دونالد ترامب، وهو ما أضفى عليه ثقلًا سياسيًا مختلفًا عن المقترحات السابقة.
هدنة غزة عالقة بين موافقة حماس وتحفظ إسرائيل
على الرغم من مرور أكثر من 24 ساعة على استلام إسرائيل المقترح، لم تُرسل أي رد رسمي، ما أثار تكهنات بشأن نوايا نتنياهو الحقيقية. وأشارت المصادر نفسها إلى أن الحكومة الإسرائيلية تواجه “اختبارًا حقيقيًا لإنقاذ رهائنها”، معتبرة أن الحل الأمثل يكمن في التفاوض على أساس خطة ويتكوف التي تضمن، في حال قبولها، صفقة شاملة لإطلاق جميع الرهائن.
تُعد الضمانة الأميركية العنصر الجديد في المعادلة، لكنها لم تكفِ لإقناع تل أبيب بالإسراع في الرد، ما يطرح علامات استفهام حول الحسابات الإسرائيلية في هذه المرحلة الحساسة.
حماس والفرصة المتأخرة
اعتبر الإعلامي المختص بالشؤون الفلسطينية وائل محمود أن حركة حماس “تعودت على الوصول متأخرة”، مشيرًا إلى أن الحركة أضاعت فرصًا سابقة لتجنب المزيد من الدمار في غزة. وأوضح أن الورقة الحالية ليست جديدة بالكامل، بل تحمل جوهر المقترح الإسرائيلي السابق مع تعديلات طفيفة من جانب حماس، ما يعكس موافقتها بعد أن فقدت جزءًا كبيرًا من أوراق الضغط الميدانية وتزايدت خسائر الفلسطينيين بشكل غير مسبوق.
وفي سياق آخر، قد يُقرأ موقف حماس كجهد لكسب شرعية سياسية تحت ضغط شعبي وإنساني متزايد، خاصة مع مشاركة فصائل فلسطينية أخرى في اجتماعات القاهرة، مما يعطي قرارها صفة التوافق الوطني وليس مجرد مناورة تكتيكية.
إسرائيل بين الصفقة والاجتياح
ركّز المحاضر في أكاديمية الجليل الغربي، موشيه إلعاد، على المعضلة التي يواجهها نتنياهو، مشيرًا إلى أنه رغم موافقته سابقًا على صفقة إطلاق الرهائن على مراحل، عاد ليشترط الإفراج عنهم دفعة واحدة، إلى جانب نزع سلاح حماس وطرد قادة الحركة من القطاع.
وحذر إلعاد من أن أي اجتياح شامل لغزة سيعرض سلامة الرهائن للخطر، بينما الجيش الإسرائيلي قادر على التعبئة السريعة في حال اتخاذ قرار سياسي بالاجتياح. يظل الانقسام في الموقف الإسرائيلي قائمًا بين أولوية استعادة الرهائن أو القضاء على حماس، مع صعوبة الجمع بين الهدفين دون دفع ثمن باهظ داخليًا وخارجيًا.
الضغوط الداخلية على نتنياهو
أوضح محمد أبو الفضل، مدير مكتب صحيفة العرب في القاهرة، أن تسريبات مكتب نتنياهو تعكس مناورة داخلية لإرضاء الحلفاء المتشددين مثل بن غفير وسموتريتش الذين يطالبون بصفقة شاملة تشمل نزع سلاح غزة بالكامل. في المقابل، يواجه نتنياهو ضغطًا من عائلات الرهائن الراغبة في أي صفقة لإنقاذ أحبائها، ما يظهر جليًا في المظاهرات الضخمة أمام منزله، والتي قد تتوسع لتشمل قطاعات أخرى وتهدد استقرار الحكومة.
أميركا بين الحليف والضامن
يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج ماسون، ديفيد رمضان، أن الرئيس ترامب يسعى إلى حل شامل للأزمة، وأن الأولوية الأميركية هي إنهاء الحرب وليس تفاصيل الصفقة. وأضاف رمضان أن الخيار العسكري أصبح مقبولًا على المدى القصير رغم تكلفته الإنسانية، بينما تبقى واشنطن ضامنًا وضاغطًا في المسار التفاوضي دون التدخل المباشر في صنع القرار العسكري.
مصر.. إعادة التوازن وإحياء السلطة الفلسطينية
لعبت القاهرة دورًا بارزًا في دفع المقترح الأخير، حيث عقدت اجتماعات مع سبع فصائل فلسطينية لتعزيز صفة التوافق الوطني. كما استقبلت رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى، ما أعاد الاعتبار للسلطة الفلسطينية كجهة شرعية لإدارة مشروع الدولة الفلسطينية.
وطرحت مصر ترتيبات عملية مثل تشكيل لجنة إسناد مجتمعي وتدريب عناصر الشرطة الفلسطينية في مصر والأردن، ما يعكس استعدادًا لمرحلة ما بعد الحرب وضمان عدم فراغ السلطة في غزة.
المأساة الإنسانية كعامل ضغط
لا يمكن فصل الحديث عن المفاوضات والصفقات عن الكارثة الإنسانية في غزة، حيث تشير التقديرات إلى سقوط أكثر من 60 ألف قتيل فلسطيني وعشرات الآلاف تحت الأنقاض، مع خطر الموت جوعًا للأطفال نتيجة الحصار.
وصف وائل محمود الوضع بـ”حرب التجويع”، مشيرًا إلى أن أي حديث عن النصر الإسرائيلي يتجاهل الثمن الأخلاقي الهائل، مؤكداً أن استعادة الرهائن ممكنة فقط عبر المباحثات السلمية، بينما استمرار الحرب سيزيد المأساة الإنسانية.










