
إعمار دور الدنيا ودور الآخرة – من 24/1/1949 إلى 29/3/2026 – صلاح إدريس عبدالله الحسن
في رحلة الإنسان بين الدارين: دار الفناء ودار البقاء، تتجلّى أمامه دار الآخرة بنعيمها المقيم، محيطةً بدار الدنيا إحاطة السوار بالمعصم، فهي ساحة العمل وكبد المشقة، حيث يُختبر أهل الصبر وتظهر عزائم الرجال. فمن المعلوم من الدين بالضرورة أنه لن تزل قدما أحدٍ منا حتى يُسأل عن ماله: من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن شبابه فيما أبلاه، لأنه مستخلف في الأرض؛ إن شاء عمرها بالعبادة والعلم والمعرفة، فكل جهدٍ صادق وإنفاقٍ حلال هو لبنة في جسر العبور من دار الممر إلى دار المقر.
لكن السر الحقيقي يكمن في كيفية التوازن بين الدارين، وأن يعيش الإنسان في الدنيا بجدٍّ واجتهاد، دون أن ينسى أن الهدف الأسمى هو الآخرة. وهذا ما تميز به المرحوم الأمين الشيخ مصطفى الأمين
فقد ورث من أبيه منارة تعليمية وقفية وأهلية، ألا وهي مدرسة الخرطوم الأهلية. لكنه برؤيته الثاقبة وعزيمته التي لا تلين، عمل أولاً على تطوير وقفها وتنميته ليصبح مورداً مباركاً ومعيناً لا ينضب، يخدم أربعة مدارس (ثلاثة للبنين وواحدة للبنات). لم تكن تلك المدارس مجرد مبانٍ، بل كانت رسالة إصلاحية، تجسدت في شرط الوقف الذي أصرّ على أن يكون التعليم هبةً مجانية، تُفتح أبوابها لكل طالب وطالبة من مختلف أرجاء السودان، دون تمييز أو رسوم، في كنف بيئة تعليمية تليق بكرامة الإنسان.
وكانت أعظم إضافة إلى ذلك الإرث قيام مدرسة الشيخ مصطفى الأمين القرآنية الثانوية، كأول مؤسسة تعليمية مخصصة لحفظة القرآن الكريم على مستوى السودان، حين حوّل الحلم إلى مؤسسة حية تتكفل بالسكن والغذاء والدواء، وقبل ذلك التعليم بوسائل حديثة مواكبة لروح العصر، كمنارةٍ أضاءت درب التعليم عموماً، وأهل القرآن خصوصاً.
ورغم عظمة ذلك الإنجاز، فإن تحقيقه لم يكن هيناً ولا قريب المنال. لكن بإصرار الأمين الشيخ مصطفى الأمين وحرصه، أقنع القائمين على أمر التعليم في الوزارة، بعد أن وفّر كل أسباب النجاح ولبّى شروط التربية والتعليم، لتصبح أول مدرسة قرآنية نموذجية في البلاد، متاحة فقط لمن جمع بين التفوق الأكاديمي وحفظ كتاب الله. ومن خلال ذلك الصرح ارتفعت مكانة التعليم الديني ليصبح جزءاً أصيلاً من البنية الأكاديمية، لا مجرد مؤسسة تقليدية.
كما أن برّ الأمين الشيخ مصطفى الأمين بوالديه ووفاءه لابنه، و ذلك من خلال تأسيسه لعدد من المساجد وإعادة ترميم أخرى. فقد دأب في كل عام على ترميم مسجد والده بوسط السوق العربي، وجعله قبلةً للمصلين، حيث توسع ليستقبل 500 مصلٍّ بعد أن كان مسجداً صغيراً ملحقاً بالمدرسة، فأصبح محراباً نابضاً بالعباد والعلماء. كما أسس مسجد السيدة زينب العتيق لوالدته بأمدرمان على أحدث معمار يتسع 800 مصل
كما أنشأ جامعاً في شارع 25 بالعمارات يسع أكثر من 600 مصلٍّ، تأسيساً لوصية ابنه المرحوم عبد المنعم الأمين الشيخ مصطفى، الذي فارق الدنيا في ريعان شبابه، وأوصى بأن يكون له مسجد. فأوفى الأب بوصية ابنه، وزاد عليها بأن ألحق داراً بالمسجد ليكون سكناً لإمام المسجد.
وعندما طلب منه مدير مدرسة الشيخ مصطفى الأمين النموذجية للبنين في امتداد الدرجة الثالثة بناء جامع أسوة ببقية المدارس، لم يتردد “القوي الأمين” في تشييد جامع يسع 700 مصلٍّ، مشيداً على أحدث طراز معماري.
لقد جسّد “كريم القوم” – كما يحلو لمقربيه أن ينادوه – كرمه في قيام تلك المساجد الأربعة، فأصبح كل منها يعبر عن قصة برٍّ بوالده، ووفاءٍ لوالدته السيدة زينب، وتنفيذٍ لوصية ابنه، واستجابةٍ لطلب من طلب منه حاجة.
إن تلك المساجد ليست مجرد مبانٍ، بل قصائد من العطاء والرحمة والوفاء، تُروى للأجيال لتبقى منارات مضيئة في درب السودان.
ومن المواقف التي تؤكد بعد نظر الأمين الشيخ مصطفى الأمين أنه كان يحوّل العِبرة إلى تجربة عملية. فعند وفاة ابنه، وبينما كان الجميع مشغولاً بمراسم الدفن في مقابر فاروق بالخرطوم، جال ببصره في المقابر وما آل إليه حالها، حتى أصبح لا يُدفن فيها إلا من اضطر، لهول ما يكابد بسبب البيئة الموحشة وعدم توفر معينات الدفن. فما إن انتهت مراسم الدفن حتى سخّر كل قدراته المادية وخبرته لتأهيل المقابر، وجعلها مكاناً تُحترم فيه كرامة الإنسان.
وقد جعل صيانة المرافق الملحقة بالمقابر عملاً سنوياً، فأزال الأشجار العشوائية، ونظّفها من الأوساخ، والأهم أنه حماها من أن تكون مأوى للخارجين عن القانون. ولم يكن ذلك سهلاً، إذ كان يستغرق شهوراً من العمل المتواصل، وينفق فيه المال الكثير، لكنه كان يقف بنفسه مشرفاً وموجهاً، رغم ازدحام أعماله أو حرارة الشمس، ليس من باب المسؤولية المجتمعية فحسب، بل لأنه واجب شرعي وأخلاقي.
وحين اشتعلت الحرب وغادر السودان إلى القاهرة، طوّر تجربته بأن اشترى مساحات في مقابر القاهرة، خصص جزءاً منها لأهل بيته، والبقية لكل سوداني يعجز عن توفير قبر لقريبه، دون مقابل، في ظل حرب أكلت الأخضر واليابس.
لقد كان الأمين الشيخ مصطفى الأمين مثالاً في رعاية موظفيه، إذ تكفل بزواجهم واستقرارهم الأسري، وحرص على وضع شروط خدمة مميزة للعاملين في المؤسسات التي شارك في إدارتها. ولم يكتفِ بفتح أبواب العطاء للأهل والأحباب، بل جعل للأرامل والأيتام نصيباً من قلبه قبل ماله، فتبنّاهم كأبنائه، وأقام لهم موظفاً متفرغاً لتدبير مصروفاتهم بسرية وخصوصية، حفاظاً على كرامتهم وصوناً لحيائهم، ليجعل من الرعاية رسالة إنسانية خالدة.
إن الإرث الذي تركه الأمين الشيخ مصطفى الأمين ليس مباني صماء تحيط بها حدائق غنّاء، بل هو قصة نورٍ وكرامة، تُروى للأجيال لتشهد أن التعليم القرآني يمكن أن يكون معاصراً، شاملاً، ومؤثراً في المجتمع. لقد ترك مدرسةً قرآنية نموذجية هي في حقيقتها قصيدة من الوقف والإصلاح، تُخلّد اسمه في سجل السودان، وتبقى شاهداً على أن العطاء حين يقترن بالرؤية، يصنع تاريخاً لا يزول.
وإن كانت هناك كلمة أخيرة فهي:
يا نُاظر الوقف الحالي وخليفة كريم القوم، كما أن أباك لم يُخيب ظن جدك، فحريٌّ بك أن تشمر عن ساعد الجد لتسعد أباك وتفرح جدك، وأنت أهلٌ لذلك . وهكذا، يظلُّ سِفرُ الأمين الشيخ مصطفى الأمين شاهدًا على أن إعمار الدنيا لا ينفصل عن إعمار الآخرة. لا نُزكّيه على الله، ولكن نشهد بما رأينا وعايشنا من تفاصيل حياته أن من جمع بين العلم والوقف، بين المسجد والمدرسة، وبين الرحمة والعدل، فقد أقام بنيانًا لا تهدمه السنون. لقد ترك إرثًا يفيض نورًا وكرامة، يذكّر الأجيال بأن العطاء حين يقترن بالإيمان والرؤية الثاقبة، يصنع تاريخًا خالدًا، ويُشيّد جسورًا من دار الفناء إلى دار البقاء.
رحم الله “كريم القوم”، وجعل ما قدّم في ميزان حسناته، وألهم خلفه أن يحمل الراية كما حملها هو، ليبقى السودان عامرًا بالعلم والقرآن، وبالمساجد التي تُنير القلوب قبل أن تُنير الطرقات. آمـــــــين آمـــــــين اللهم آمـــــــين









