مقالات الرأي

الحلقة الرابعة: سيادة السودان والقانون الدولي.. جدلية السيادة والوصاية في ميزان المواثيق

الحلقة الرابعة: سيادة السودان والقانون الدولي.. جدلية السيادة والوصاية في ميزان المواثيق

بقلم: عميد ركن (م) مهندس/ عماد الدين صالح حسن

تمهيد:

بعد أن حللنا مواقف القوى الكبرى والمنظمات الإقليمية، نأتي الآن لنضع “مؤتمر برلين” في ميزان القانون الدولي. إن السيادة ليست مجرد مصطلح سياسي، بل هي الركن الأساسي الذي تقوم عليه الدولة في المنظومة الدولية. في هذه الحلقة، نُشرح كيف حاول “المنطق الدولي” في برلين الالتفاف على مبدأ السيادة تحت غطاء “المسؤولية الدولية” و”الدعم الإنساني”.

1. ميثاق الأمم المتحدة: المبدأ المغيب

تنص المادة (2) من ميثاق الأمم المتحدة صراحة على مبدأ “المساواة في السيادة” بين جميع الدول الأعضاء، وعدم التدخل في الشؤون التي تدخل في صميم السلطان الداخلي.

الفجوة القانونية: إن عقد مؤتمر لمناقشة مصير دولة ما ورسم خارطة طريقها السياسية دون تمثيل حكومتها الرسمية، يعد خرقاً صريحاً لهذا المبدأ. بصفتي عسكرياً، أرى أن هذا النهج يمثل “عدواناً ناعماً” يحاول خلق واقع قانوني موازٍ للشرعية الوطنية.

2. جدلية “السيادة والوصاية”

حاول مؤتمر برلين تسويق مفهوم “السيادة المشروطة”؛ أي أن سيادة الدولة السودانية مرتبطة بمدى استجابتها لمتطلبات المجتمع الدولي وتوافقها مع رؤيته.

المنظور الاستراتيجي: القانون الدولي لا يعطي الحق لأي مجموعة دول (مهما بلغت قوتها الاقتصادية) أن تنصب نفسها وصياً على “القرار السيادي” لدولة أخرى. ما حدث في برلين هو محاولة لتحويل السودان من “دولة ذات سيادة” إلى “ملف تحت الإدارة الدولية”، وهو ما يتنافى مع حق الشعوب في تقرير مصيرها.

3. التدخل الإنساني كذريعة قانونية

استخدم المؤتمر ورقة “الوضع الإنساني” كمدخل لتبرير التدخل في الشأن السياسي. ومن منظور المنهجية البنيوية: إن صياغة القوانين والمواثيق تقتضي بالضرورة اتساق “الوسائل” مع “الغايات”. فإذا كانت الغاية إنسانية، فإن المسار الطبيعي هو التنسيق مع أجهزة الدولة المعنية لضمان وصول المساعدات، وليس تجاوز الدولة لخلق قنوات بديلة تضعف هيكل السلطة الوطنية. إن تسييس الإغاثة هو “إجهاد قانوني” متعمد لكسر إرادة الصمود الوطني.

4. حماية الشرعية: الرد القانوني الوطني

إن صمود مؤسسات الدولة السودانية وتمسكها بتمثيل نفسها في المحافل الدولية هو “خط الدفاع القانوني” الأول. إن القانون الدولي يحمي “الدول” لا “التنظيمات”، والتمسك بهذا المركز القانوني هو ما أبطل مفعول مخرجات برلين قانونياً، وحولها من “قرارات ملزمة” إلى مجرد “توصيات طرف واحد”.

خلاصة الحلقة:

لقد أثبتت وقائع برلين أن موازين القوى كثيراً ما تحاول القفز فوق موازين القانون. إن معركة السودان اليوم هي معركة قانونية بقدر ما هي عسكرية وسياسية؛ معركة لإعادة تذكير العالم بأن سيادة السودان ليست “منحة” دولية، بل هي “حق أصيل” محمى بالمواثيق وبدماء أبنائه.

 

 

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى