
الحلقة السادسة: الآلية الرباعية وموقف السودان.. الإمارات نموذجاً للجدل المثار
بقلم: عميد ركن (م) مهندس/ عماد الدين صالح حسن

تمهيد:
في الحلقات السابقة، حللنا توازنات القوى التي تسعى للحفاظ على هيكل الدولة، ولكن المشهد السوداني يظل رهيناً لتحركات “الآلية الرباعية” (الولايات المتحدة، بريطانيا، السعودية، والإمارات). هذه الآلية التي صُممت كرافعة للحل السياسي، تحولت في نظر الكثيرين إلى أداة لتقاطع الأجندات. في هذه الحلقة، نُشرح دور الرباعية، ونتوقف طويلاً عند “الدور الإماراتي” الذي بات يشكل حجر الزاوية في التوتر الدبلوماسي مع الحكومة السودانية.
1. الآلية الرباعية: وحدة “الاسم” وتضارب “المسارات”
رغم الجلوس على طاولة واحدة، إلا أن الممارسة العملية كشفت عن تباينات جوهرية داخل الرباعية:
▪️ المحور الغربي (واشنطن ولندن): ركز بقوة على “هندسة” اتفاق سياسي (الإطاري) فُصل على مقاس قوى محددة، مما أدى لخلل في موازين القوى الداخلية.
▪️ المحور الإقليمي (الرياض وأبوظبي): تباينت فيه الرؤى؛ فبينما مالت السعودية للتهدئة وحفظ مؤسسات الدولة عبر “منبر جدة”، اتخذ الطرف الآخر مسارات أثارت ريبة الدولة السودانية.
2. دولة الإمارات: نموذج للجدل والاشتباك الرسمي
من منظور التشريح البنيوي للميدان، يبرز الموقف الإماراتي كأحد أكثر الملفات تعقيداً في علاقات السودان الخارجية.
▪️ في مؤتمر برلين: كانت الإمارات حاضرة كطرف مانح، لكن هذا الحضور اصطدم برؤية الحكومة السودانية التي تتهم أاللفبوظبتتهلي صراحةً بتوفير الدعم اللوجستي والعسكري للمليشيا المتمردة.
▪️ الموقف من “تغييب الدولة”: ترى الخرطوم أن الضغط الإماراتي داخل الرباعية كان يهدف لتجاوز شرعية القوات المسلحة ومؤسسات الدولة، واستبدالها بواجهة مدنية تضمن مصالح المحاور الإقليمية العابرة للحدود.
3. موقف السودان الرسمي: المواجهة الدبلوماسية الصريحة
لم يعد السودان يتعامل مع الرباعية ككتلة واحدة صلبة، بل بدأ في سياسة “الفرز”:
▪️ رفض الوساطة المنحازة: أبلغت الحكومة السودانية الأطراف الدولية بأنها لن تقبل بوجود أطراف (تحديداً الإمارات) في أي غرف عمليات تخص مستقبل السودان طالما استمر دعم المتمردين.
▪️ السيادة فوق المساعدات: كان رد الفعل الرسمي على حضور الإمارات في برلين واضحاً: “لا يمكن شراء الشرعية بأموال المساعدات”، وهو موقف عزز من التفاف الشارع خلف القيادة العسكرية.
4. قراءة استراتيجية للأثر الميداني
بصفتي عسكرياً ومهندساً، أرى أن تدخلات “الرباعية” – وتحديداً الدور الإماراتي – قد أحدثت “إجهاداً” (Stress) في هيكل الدولة السودانية. فبدلاً من دعم المؤسسة الوطنية الوحيدة الضامنة للاستقرار، ساهمت هذه التدخلات في خلق “وهم التكافؤ” بين الدولة والتمرد، وهو خطأ هندسي في بناء السلام أدى لإطالة أمد الحرب.
خلاصة الحلقة:
لقد كانت “الآلية الرباعية” في برلين تحاول إحياء مسارات لفظها الواقع الميداني، وظلت الإمارات رقماً صعباً في معادلة “الشك” السودانية. إن تجاوز هذا الجدل يتطلب اعترافاً ٤صريحاً بأن استقرار المنطقة يمر عبر دعم “الدولة السودانية” لا عبر إضعافها لصالح مشاريع المحاور.
بعد هذا التشريح للمحاور الضاغطة، نصل إلى الحلقة الأهم.. كيف كان الرد الرسمي المباشر؟ وماذا قال رئيس الوزراء والجهات السيادية في وجه “إقصاء برلين”؟ هذا ما سنفصله في الحلقة القادمة.
ترقبوا في الحلقة السابعة: موقف حكومة السودان.. كلمة رئيس الوزراء والجهات الرسمية في الرد على “تغييب الدولة”.









