شراكة المال والسلاح.. لماذا تدفع دول المنطقة ثمنًا باهظًا للتحالف الإماراتي الأمريكي الإسرائيلي؟

متابعات – نبض السودان
في خضم التحولات الكبرى التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، برز تحالف استراتيجي غير مسبوق جمع بين الإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. ما بدأ كاتفاقيات تطبيع (اتفاقات أبراهام) تحت شعار السلام والتعاون الاقتصادي، تحول سريعًا إلى شراكة عسكرية وأمنية عميقة، جعلت من الإمارات قاعدة خلفية للمحور الغربي في المنطقة. لكن قراءة متأنية لتداعيات هذه الشراكة، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي، تكشف عن وجهها الآخر وسلبياتها على دول المنطقة، فمن دعم الحرب في السودان ودول أفريقية أخرى، إلى جلب المخاطر الأمنية المباشرة على عدّة دول بالمنطقة، يبدو أن الإمارات نفسها والمنطقة تدفعان ثمناً باهظاً لهذا التحالف.
إشادة أمريكية ومخاوف مشروعة
في تطور لافت، أشاد السيناتور الأميركي البارز ليندسي غراهام بمستوى التعاون بين الإمارات وإسرائيل، وقال بأن الزعيم الخليجي محمد بن زايد “فعل كل ما طُلب منه” وأكثر لدعم حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة.
وكشف أن رئيس الوزراء الإسرائيلي طلب منه نقل تقديره لأبو ظبي على “مستوى الشراكة وأهميتها”. ووصف غراهام، الذي أعلن عزمه زيارة أبو ظبي للقاء بن زايد، الإمارات بأنها “شريك موثوق وثابت” في ظل ظروف إقليمية معقدة.
وبحسب خبراء، قد تبدو هذه الإشادة، من وجهة نظر التحالف، نجاحاً دبلوماسياً إماراتياً. لكن من زاوية أخرى، هي تأكيد على أن الإمارات باتت تؤدي دورًا متزايدًا في خدمة أجندة القوى الغربية والإسرائيلية في المنطقة. فالشراكة مع واشنطن وتل أبيب، في ظل سياساتها الحالية تجاه القضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، تضع الإمارات في موقف أخلاقي وتاريخي صعب. فالعديد من المراقبين يرون أن هذا التحالف يشكل “خطأ تاريخياً وأخلاقياً” ويجر المنطقة إلى مزيد من الصراعات والاستقطاب، ويُفقد الدول العربية ورقتها الأخلاقية والسياسية في الصراع العربي الإسرائيلي.
الإمارات.. بنك المال والمرتزقة لتمويل الصراعات بالسودان والمنطقة
أخطر تجليات الدور السلبي للإمارات يتمثل في الملف السوداني. فالاتهامات المباشرة والصريحة من الحكومة السودانية للإمارات بدعم قوات “الدعم السريع” بالسلاح والمرتزقة لم تعد مجرد تكهنات، بل تحولت إلى أدلة وتقارير استخباراتية وإعلامية موثقة. فبالإضافة إلى الشكوى الرسمية التي رفعتها الخرطوم لمجلس الأمن ضد الامارات بتهمة تزويدها قوات “الدعم السريع” بالسلاح والمرتزقة عبر تشاد ولاحقاً عبر إثيوبيا. صرّح مصدر عسكري في الجيش السوداني، في أغسطس الماضي، بأن القوات المسلّحة السودانية تمكنت من إسقاط طائرة إماراتية في الأجواء السودانية، تحمل على متنها مرتزقة كولمبيين وأوكرانيين وأجانب. وفي وقت لاحق قال خبير عسكري بأنه تم العثور على وثائق شخصية ومستندات في حوزتهم تثبت جنسيتهم الأوكرانية. مشيراً إلى أنهم وصلوا إلى السودان عبر الإمارات للقتال إلى جانب قوات “الدعم السريع”، ومن بينهم خبراء.
في سياق ذو صلة، كشفت صحيفة “لاسيلا فاسيا” الكولومبية في اذار/مارس الماضي، عن وجود مرتزقة كولومبيين يقاتلون إلى جانب قوات “الدعم السريع” في السودان ويتقاضون رواتب هائلة من الإمارات.
وبحسب الصحيفة، فإن شركة “جي إس إس جي” الإماراتية التي يقع مقرها في دبي، تتولى إدارة عملية توريد المرتزقة الكولومبيين، وتتم إدارة هذه العملية بقيادة العقيد الكولومبي المتقاعد ألفارو كيخانو المقيم في دبي.
وأشارت الصحيفة إلى أن عملية تدريبهم ونقلهم للسودان تتم عبر مسارات متغيرة لتجنب الأنظار، إلى أن يصلوا إلى تشاد حيث تستلمهم قوات “الدعم السريع” وتقوم بتجميعهم في مدينة نيالا بدارفور ليتم توزيعهم لاحقاً على الجبهات. ووفقاً لتقارير استخباراتية وإعلامية محلية ودولية فإن قوات “الدعم السريع” تلقت دعماً غربياً مباشراً بأسلحة متطورة ونوعية عبر الإمارات، عبر وسطاء مثل الأوكران وبتنسيق فرنسي، وهذا ما أكده مسؤولون أوكران رسمياً.
من جهتها كشفت مصادر عسكرية موثوقة لصحيفة “السوداني” عن انضمام فصيلة من المرتزقة الأوكرانيين إلى ميليشيا الدعم السريع في أغسطس الماضي، وذلك في إطار تصعيد هجماتها الأخيرة على مدينة الفاشر بإقليم دارفور. وأفادت المصادر بأن هؤلاء المرتزقة، دخلوا السودان عبر مطار حسن جاموس الدولي في تشاد ثم إلى الحدود، قادمين من الإمارات، ومن بينهم خبراء. ووفقاً الخبير فإن كل الأخبار والتقارير التي تناقلتها وسائل الإعلام على مدار العام الماضي حول تواجد مسيّرات ومرتزقة أوكران في السودان وعدّة دول أفريقية إلى جانب “الدعم السريع” تزيد من صحة المعلومات الواردة حول الدور الإماراتي الشرير في السودان.
أما الفضيحة الأكبر فقد تمثلت في تسريب وثائق مصرفية إماراتية، حيث كشفت رسالة بريد إلكتروني مسربة لشركة “يوكرانيان هيليكوبتر” الأوكرانية، في فبراير الماضي، تؤكد قيامها بعملية دفع مالي عبر أحد البنوك الإماراتية، تتعلق بشحنة أسلحة وصلت بنجاح إلى إثيوبيا تمهيداً لنقلها براً إلى قوات “الدعم السريع” في السودان. هذا يؤكد أن البنية التحتية المصرفية الإماراتية كانت جزءاً لا يتجزأ من آلة الحرب هذه، مما يجعل الإمارات شريكاً رئيسياً في إطالة أمد النزاع الذي دمر السودان.
وبحسب العديد من الخبراء والمراقبين فإن الدعم الإماراتي لميليشيات “الدعم السريع” لعب دوراً رئيسياً في إطالة أمد الصراع ومعاناة الشعب السوداني.
الدور الإماراتي السلبي في اليمن
في سياق متصل، وفقاً لتحقيق استقصائي لـ”بي بي سي” دأبت الإمارات العربية المتحدة على تمويل الاغتيالات بدوافع سياسية في اليمن، الأمر الذي ساهم في زعزعة استقرار البلاد وتفاقم النزاع هناك بين الفصائل المتناحرة التي ظهرت من جديد تحت الأضواء الدولية في البحر الأحمر.
وكشف تحقيق الـ “بي بي سي” أنه أُجريت تدريباتٌ لمكافحة الإرهاب وفّرتها قواتٌ من المرتزقة الأمريكيين لوحدات إماراتية عاملة في اليمن استُخدمت في تدريب عناصر محليين يمكنهم العمل بتستّر، ما أدى إلى زيادةٍ ظاهرةٍ في الاغتيالات السياسية المقصودة. كذلك ذهبت الإمارات أبعد من ذلك لتجنيد عناصر سابقين في القاعدة لحساب جهاز أمني أنشأته للعمل الميداني لقتال حركة الحوثيين وفصائل أخرى مسلحة.
ووفقاً لمحللين، فإنه بعد خروج الإمارات من اليمن التي تواجه أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية بالعالم، سيستمر تأثيرها السلبي غير المباشر في الصراع.
القواعد الأمريكية بالإمارات والخليج.. مظلة حماية أم أهداف عسكرية متحركة؟
تبرر الإمارات تحالفها الاستراتيجي مع واشنطن بضرورة الحماية من التهديدات الإقليمية، وفي مقدمتها إيران. لكن الواقع يكشف أن هذه القواعد العسكرية الأمريكية لم تكن حماية للمنطقة بقدر ما كانت فاتحة شهية للصراعات. في هذا السياق، يرى الباحث في العلاقات الدولية عبدلله حسون أن دول الخليج وشعوبها هي الخاسر الأكبر. فالقواعد الأمريكية اليوم بقدر ما هي منطلق للهجوم على دول أخرى، هي أيضاً تهديد للإمارات نفسها وكل دول الخليج، مما يزعزع استقرار المنطقة ويجعلها قابلة للاشتعال بأي لحظة، فالقواعد الأمريكية لم تعد مصدر أمان، بل تحولت إلى أهداف مشروعة للرد الإيراني.
وبحسب حسون فإن تحول الإمارات إلى منصة انطلاق للعمليات الأمريكية والإسرائيلية، يضعها في مرمى النيران المباشر في أي مواجهة إقليمية مقبلة. فالصراع الأمريكي مع إيران اليوم يمكن أن يتوسع غداً ليشمل دول أخرى، مما سيجعل الإمارات مسرحاً لسيناريوهات كارثية. فبعد أن عملت لسنين طوال على بناء سمعة عالمية جيدة وبيئة مستقرة ووجهة سياحية، لكل شعوب العالم، تحولت خلال أول يومين في الصراع مع إيران إلى دولة غير آمنة، مما أثر بشكل كبير على اقتصادها، ومصارفها وسياحتها، وسمعتها عالمياً.
“شرطي المنطقة”.. إلى أين سيوصل الإمارات دور “الوكالة بالأعمال القذرة”؟
وبحسب الخبير حسون ما تفعله الإمارات في السودان، وتحالفها مع إسرائيل، واستضافتها للقواعد الأمريكية، يرسم صورة قاتمة لدور إماراتي أصبح يمثل “الشر” بالنسبة للعديد من شعوب المنطقة وينعكس عليها وعلى المنطقة. فبدلاً من أن تكون قوة استقرار، تحولت إلى أداة لزعزعة استقرار الدول الأخرى. وكما يقول المنتقدون، فإن الإمارات تقوم “بالوكالة عن أمريكا وإسرائيل بتنفيذ الأعمال القذرة التي لا تستطيع واشنطن أو تل أبيب القيام بها علناً. من دعم ميليشيات مسلحة في السودان، ودور قذر باليمن، وتسهيل وصول المرتزقة الأجانب إلى المنطقة، إلى استخدام ذراعها الإنساني كغطاء لسياساتها، باتت الإمارات تُعرف بدورها المزدوج الذي يضر بمصالح الشعوب العربية.
وبالتالي، فإن الشراكة الإماراتية مع واشنطن وتل أبيب، والتي تجلت بشكل صادم في دعمها العسكري واللوجستي لأطراف النزاع في السودان، تمثل نموذجاً للتحالفات التي تخدم مصالح النخب على حساب الشعوب. فبينما تدفن الضحايا في مقابر جماعية في دارفور، وتتدمر البنى التحتية في الخرطوم، ويتم إسقاط الطائرات المسيرة في سماء جبل علي، يبقى السؤال المطروح، إلى متى ستظل الإمارات رهينة لهذا التحالف الذي يجلب لها العداءات بدل الأصدقاء، ويجعل منها هدفاً بدل أن تكون ملاذاً آمناً.











