
متابعات- نبض السودان
في خطوة مفاجئة كشفت عمق الانقسام داخل ما يسمى بـ”تحالف تأسيس”، انسحبت آخر المجموعات التابعة للحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو من دارفور إلى معقلها في كاودا بولاية جنوب كردفان، لتطوي بذلك صفحة تحالف قصير ومضطرب مع قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي).
قوات الحلو تغادر الفاشر في صمت
وبحسب روايات مقاتلين عائدين من الفاشر نقلها موقع “دارفور24”، فإن القوة المنسحبة غادرت المدينة مرورًا بالضعين والفولة قبل أن تتجه نحو كاودا، بعد أشهر من القتال في المحور الجنوبي لمدينة الفاشر. ولم يُفصح المقاتلون عن الأسباب المباشرة للانسحاب، إلا أن مؤشرات عديدة تُظهر أن الخلافات بين الطرفين بلغت ذروتها.
شهود عيان يوثقون التحرك الميداني
وأكد شهود عيان من مدينة الضعين أنهم شاهدوا ثلاث شاحنات كبيرة محملة بمئات المقاتلين يرتدون زي الدعم السريع ويحملون شعارات الحركة الشعبية. وأوضحوا أن الشاحنات توقفت لساعات قبل أن تواصل طريقها شرقًا باتجاه كاودا، في إشارة واضحة إلى انسحاب منظم وشامل من مسرح العمليات في دارفور.
تحالف هش وانقسامات متصاعدة
الانسحاب المفاجئ كشف هشاشة التحالف بين الحلو وحميدتي، العدوين التاريخيين اللذين جمعتهما المصالح المؤقتة. فالعلاقة بين النوبة وما يُعرف بعرب دارفور** لطالما اتسمت بالعداء والريبة، منذ سنوات الحرب الأولى في جبال النوبة. ويبدو أن هذه العداوة التاريخية عادت لتفرض نفسها من جديد بعد أشهر قليلة من التعاون العسكري.
مؤشرات القطيعة.. غياب الحلو وتوتر داخلي
اختفاء الحلو عن المشهد عقب مراسم أداء القسم التي وُصفت بـ”المهزلة”، وغيابه عن الظهور بجانب حميدتي، عدا مرة واحدة مع مبعوث الأمم المتحدة رمطان لعمامرة، فُسر على نطاق واسع كدليل على عمق الأزمة بين الطرفين. وجاء الانسحاب العسكري ليؤكد أن القطيعة لم تعد سياسية فقط بل أصبحت واقعية وميدانية.
خسائر فادحة ومعاملة عنصرية
ووفقًا لـ”منصة جبال النوبة”، شاركت كتيبة من الحركة الشعبية قوامها نحو 330 مقاتلاً في معارك الفاشر بتاريخ 21 سبتمبر، بعد ضغوط من قيادات الدعم السريع بمحور كردفان. لكن القوة تكبدت خسائر فادحة بلغت 55 قتيلاً و150 جريحًا، بينما تُرك المصابون دون علاج في بعض المحاور حتى فارقوا الحياة، وسط ما وُصف بمعاملة عنصرية مهينة من عناصر مليشيا حميدتي.
انسحاب كامل وإعادة تموضع في كاودا
تُشير التقارير إلى أن جميع قوات الحركة الشعبية انسحبت من دارفور وتتجمع الآن شرق الدبيبات تمهيدًا للعودة إلى كاودا تنفيذًا لتوجيهات هيئة الأركان بإعادة التنظيم. كما تحدثت المنصة عن تذمر واسع بين المقاتلين، ورغبة بعضهم في تسليم أنفسهم إلى اللواء 54 بالدلنج أو كازقيل والانحياز للجيش السوداني.
تحالف بلا ثقة ولا جذور
تاريخيًا، لم تجمع الحلو وحميدتي أي أرضية مشتركة. بل إن رئاسة حميدتي للوفد الحكومي كانت أحد الأسباب الرئيسة لرفض الحلو التوقيع على اتفاق جوبا للسلام في عام 2020. ومع ذلك، لعبت الإمارات دورًا محوريًا في التقريب بين الطرفين عبر إغراءات مالية ضخمة، يُقال إن الحلو تلقى منها خمسة ملايين دولار مقابل التحالف العسكري، إضافة إلى تعويضات مالية لقتلى حركته في الميدان.
غضب داخلي وضغوط من مجتمع النوبة
تؤكد مصادر مقربة من قيادة الحركة أن الحلو تعرض لضغوط هائلة من قيادات سياسية وأهلية وعسكرية بسبب هذا التحالف المثير للجدل، الذي اعتبره كثيرون خيانة لتاريخ النضال في جبال النوبة. ومع تزايد الانتقادات والاتهامات من داخل قواعده، بدأ الحلو يتراجع تدريجيًا عن الظهور ضمن تحالف “تأسيس”، حتى قرر الانسحاب النهائي من دارفور بذريعة إعادة التنظيم.
انهيار التحالف ونهاية “شهر العسل”
يبدو أن التحالف الذي جمع الحلو بحميدتي وصل إلى نقطة اللاعودة، خصوصًا بعد ما وصفه مقاتلو الحركة بـ”التمييز العنصري والإهانات المتكررة” من عناصر الدعم السريع، ما جعل كثيرين منهم يفكرون بالانضمام إلى الجيش الوطني. ويرى مراقبون أن حتى الأموال الإماراتية لن تنجح في ترميم الشرخ العميق بين الطرفين المختلفين فكريًا وإثنيًا، ليُكتب بذلك الفصل الأخير من علاقة قصيرة انتهت بخيبة متوقعة.











