
متابعات- نبض السودان
في عالم تتسارع فيه التقنيات الطبية وتسير التجارب العلمية نحو تجاوز حدود الزمن، بدأ بعض المؤثرين في مجال مقاومة الشيخوخة، إلى جانب قلة من العلماء، بالترويج لعلاج مثير للجدل: استبدال البلازما في الدم كوسيلة لإبطاء الشيخوخة البيولوجية وربما إطالة عمر الإنسان. وبينما يشبّهونه بتغيير زيت السيارة للحفاظ على المحرك، يرى آخرون أنه أشبه بتجربة محفوفة بالمخاطر من دون ضمانات ملموسة.
ماذا يعني استبدال البلازما؟
يعتمد هذا العلاج على سحب دم الشخص وفصل البلازما عنه، وهي الجزء السائل من الدم، ثم التخلص منها واستبدالها ببلازما متبرع أو بمحلول بديل يحتوي عادةً على محلول ملحي وبروتينات مثل الألبومين، وربما أدوية أو أجسام مضادة في بعض الحالات. وتُعاد مكونات الدم إلى الجسم بعد إتمام الاستبدال، في جلسة تستغرق بضع ساعات.
في الأساس، يُستخدم هذا العلاج منذ عقود لعلاج اضطرابات الدم والأمراض العصبية وأمراض المناعة الذاتية، لكن تحوّله إلى إجراء تجميلي أو وقائي لمقاومة الشيخوخة أثار موجة من التساؤلات والجدل داخل المجتمع الطبي.
تجربة محدودة.. ولكن لافتة
نشرت دورية Aging Cell نتائج تجربة أولية شارك فيها 42 شخصًا بمتوسط عمر 65 عامًا، خضعوا لاستبدال البلازما خلال أشهر، وبيّنت النتائج انخفاض تركيز بعض المركبات المرتبطة بالتقدم في السن في دمهم مقارنةً بمن لم يتلقوا العلاج.
تم تمويل الدراسة من شركة سيركيوليت هيلث المتخصصة في هذا المجال، وشارك في إدارتها الدكتور إريك فيردين، الذي قال إن هذه العملية تساعد في التخلص من الجزيئات الضارة التي تتراكم في الدم، تمامًا كما يتم تغيير زيت السيارة للتخلص من الشوائب.
الشكوك العلمية لا تزال حاضرة
لكن على الجانب الآخر، تشكك العديد من الأسماء الطبية البارزة في فعالية هذا العلاج. الدكتورة كتايون فوماني، من بنك الدم بجامعة ألاباما، أوضحت أن هذه العملية لم تُثبت فائدتها في تجارب سريرية واسعة، ووصفتها بأنها قد تُعرّض المرضى لمخاطر دون أي فائدة مثبتة علميًا.
وأكدت أن هذه الإجراءات، وإن بدت مغرية، قد تحمل مضاعفات مثل تلف خلايا الدم الحمراء، واضطرابات في الدورة الدموية، واحتمالات نقل العدوى في حال استخدام بلازما المتبرعين.
دراسات على الفئران.. ولكن هل تنطبق على البشر؟
أجريت معظم الدراسات المرتبطة بفوائد استبدال البلازما على الحيوانات، خصوصًا الفئران. ففي تجربة عام 2020، استُبدلت بلازما فئران بمحلول ملحي وألبومين، وأظهرت النتائج تحسنًا في مؤشرات الشيخوخة بالدماغ والكبد والأنسجة العضلية. لكن الباحثين يحذرون من تعميم هذه النتائج على البشر بسبب اختلافات بيولوجية معقدة.
في تجربة أخرى، خضع 350 مريضًا بمرض ألزهايمر لعلاج بالبلازما على مدى 14 شهرًا، وأظهرت النتائج استقرارًا في التدهور الإدراكي، مما دفع البعض للتفاؤل بإمكانية توسيع نطاق هذه التطبيقات في المستقبل.
نتائج مثيرة.. لكنها لا تكفي
تشير تجربة سيركيوليت هيلث إلى أن المجموعة التي تلقت الألبومين والأجسام المضادة انخفض عمرها البيولوجي بنحو 2.6 سنة خلال فترة تتراوح بين 3 و6 أشهر، بينما انخفض العمر البيولوجي للمجموعة التي تلقت الألبومين فقط بنحو سنة واحدة، فيما زاد لدى من تلقوا المحلول الملحي فقط.
لكن هذه النتائج، رغم كونها مشجعة، لم تُثبت قدرة العلاج على إطالة العمر الفعلي أو تحسين جودة الحياة بشكل دائم. كما أن التجربة لم تستمر لفترة كافية لتحديد ما إذا كانت هذه التغيرات مستدامة.
تكلفة مرتفعة دون تغطية تأمينية
تكلفة الجلسة الواحدة من استبدال البلازما تصل إلى آلاف الدولارات، ولا تُغطي شركات التأمين هذه التكاليف عندما تُستخدم لأغراض مقاومة الشيخوخة، ما يجعلها متاحة فقط للأثرياء، في وقت تبقى فيه فعالية العلاج موضع جدل علمي محتدم.
استخدامات طبية مختلفة
في الاستخدامات التقليدية، يُستخدم استبدال البلازما لإزالة أجسام مضادة أو جزيئات مسببة للأمراض، مثل الأجسام المضادة التي تهاجم الجهاز العصبي في مرض التصلب المتعدد، أو البروتينات الالتهابية في أمراض الكبد. ويرى بعض الباحثين أن هذه الميزة يمكن توظيفها وقائيًا، لكنهم يطالبون بالمزيد من الأدلة قبل التوصية بها للأصحاء.
تحذيرات علمية
الدكتور جيفري وينترز من “مايو كلينك” لفت إلى أن فوائد هذا العلاج في مقاومة الشيخوخة لم تثبت بعد، وأن تأثيراته المحتملة قد تتلاشى بمرور الوقت بسبب تكيف الجسم، بل وقد تتوقف تمامًا بعد عدة جلسات.
وأشار أيضًا إلى المخاطر المحتملة من الأجهزة المستخدمة في العلاج، والآثار الجانبية التي تشمل فقر الدم، والعدوى، والتفاعلات المناعية.
خلاصة.. بين الأمل والواقع
رغم الضجة التي تحيط بعلاج استبدال البلازما كوسيلة لإبطاء الشيخوخة، فإن الأدلة العلمية لا تزال محدودة، والنتائج غير حاسمة، والتكلفة باهظة. وبينما يواصل البعض المغامرة بحثًا عن شباب دائم، يوصي العلماء بالتمهل، والانتظار إلى حين إجراء دراسات أوسع وأكثر شمولاً.











