مقالات الرأي

مؤتمر برلين حول السودان.. المحرّك والمقصد

مؤتمر برلين حول السودان.. المحرّك والمقصد

بقلم: عميد ركن (م) مهندس/ عماد الدين صالح حسن

مقدمة السلسلة:

في ظل المنعطف التاريخي الأخطر الذي تمر به الدولة السودانية، وتكالب الأجندات الدولية والإقليمية على جراحنا النازفة، يصبح من الواجب الوطني تفكيك المشهد بعينٍ فاحصة لا تغفلُ عن التفاصيل، وعقلٍ استراتيجي يقرأ ما بين السطور. نستهل بهذه الحلقة سلسلة مقاليه من إحدى عشرة جزءاً، نغوص فيها في دهاليز “مؤتمر برلين”، ليس بوصفه تظاهرة دبلوماسية فحسب، بل كمنصة عكست صراع الإرادات الدولية فوق أرضنا. سنتناول الفكرة والأهداف، تقاطعات المواقف الدولية، معضلة السيادة، الدور المثير للجدل للآلية الرباعية (خاصة محور الإمارات)، وصولاً إلى تحليل الآثار الميدانية وتقييم النتائج. هدفنا هو تنوير القارئ السوداني بحقيقة ما يُحاك، وما يجب أن يكون عليه موقفنا الوطني الثابت.

الفكرة والأهداف: بحث عن مخرج أم رغبة في احتواء؟

لم يكن اختيار “برلين” لاستضافة هذا الحراك الدولي وليد الصدفة، فالماكينة الدبلوماسية الألمانية تسعى منذ سنوات لترسيخ دورها كـ “وسيط نزيه” في القارة الأفريقية، بعيداً عن الإرث الاستعماري لبعض القوى الأخرى. إلا أن الفكرة في جوهرها نبعت من شعور دولي متزايد بأن السودان ينزلق نحو “ثقب أسود” قد يبتلع أمن الإقليم بأكمله، مما يهدد مصالح القوى الكبرى في البحر الأحمر ومنطقة الساحل.

ويمكننا تلخيص الأهداف الاستراتيجية للمؤتمر في النقاط التالية:

تعبئة الموارد والغطاء الإنساني:

تمثلت الفكرة المعلنة في حشد الدعم المالي لمواجهة الكارثة الإنسانية. ومن منظور هندسي وإداري، كان الهدف هو إيجاد “صندوق تمويل” دولي يضمن تدفق المساعدات، لكن هذا الهدف كان يحمل في طياته محاولة لتثبيت حضور دولي كثيف تحت ستار الإغاثة، وهو ما يطرح تساؤلات حول آليات التنفيذ والرقابة.

خلق بديل سياسي موحد:

هدف المؤتمر بوضوح إلى إعادة إنتاج “الحل السياسي” كخيار وحيد وأوحد، والضغط على الأطراف العسكرية للقبول بصيغ تفاوضية قد لا تتماشى بالضرورة مع الواقع الميداني أو تطلعات المؤسسة العسكرية في حسم التمرد. كان الهدف هو “فرملة” أي انتصار عسكري حاسم قد يغير خارطة النفوذ الدولي في المنطقة.

تنسيق المبادرات المشتتة:

سعت برلين لتكون “نقطة ارتكاز” (Pivot Point) تجمع بين مسار جدة والمبادرات الأفريقية، لمنع تضارب الأجندات. لكن، وكما نعلم في العلم العسكري، فإن تعدد القادة (أو الوسطاء) دون هدف وطني موحد يؤدي غالباً إلى إطالة أمد الصراع بدلاً من إنهائه.

استخدام سلاح “الشرعية الدولية” لفرض إملاءات معينة على الدولة السودانية، ومحاولة تحجيم أي تحالفات سودانية قد تخرج عن الإطار الغربي المرسوم للمنطقة.

الضغط الدبلوماسي الناعم:

خلاصة القول في هذه الحلقة؛ إن مؤتمر برلين جاء كـ “طوق نجاة” في ظاهره، لكنه حمل في باطنه محاولة دولية جادة للسيطرة على “مسار الأزمة” ومنع الدولة السودانية من اتخاذ قرارات سيادية قد تتعارض مع مصالح المانحين واللاعبين الكبار.

ولكن، إذا كانت هذه هي الأهداف المعلنة والمستترة، فكيف استقبلت القوى الدولية والإقليمية هذا الحراك؟ وكيف تباينت المواقف بين من يريد للسودان استقراراً ومن يريده “دولة تحت السيطرة”؟ هذا ما سنفصله في الحلقة القادمة. ترقبوا في الحلقة الثانية: الموقف الدولي والإقليمي من الأزمة السودانية.. صراع الأجندات فوق خارطة الجراح.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى