
متابعات – نبض السودان
تضاعفت موجات الهجرة السودانية إلى أوروبا خلال عام 2025 بصورة لافتة، في مؤشر جديد على عمق الكارثة الإنسانية التي خلفتها الحرب المستمرة منذ أكثر من ألف يوم.
فبحسب بيانات المنظمة الدولية للهجرة المنشورة في 28 يناير 2026، ارتفع عدد السودانيين الوافدين إلى أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط إلى أكثر من 12,600 شخص خلال الأشهر الإحدى عشرة الأولى من عام 2025، أي ثلاثة أضعاف ما سُجّل في الفترة نفسها من عام 2024. وتوزّع الوافدون بين اليونان (65%) وإيطاليا (30%)، بينما اتجهت نسبة أقل إلى إسبانيا.
هذا الارتفاع يأتي في وقت تجاوز فيه عدد النازحين داخلياً واللاجئين خارج السودان عشرة ملايين شخص، ما يجعل البلاد واحدة من أكبر بؤر الأزمات الإنسانية في العالم.
فالحرب التي اندلعت في أبريل 2023 لم تترك للسكان سوى خيارات قاسية: النزوح، اللجوء، أو الهجرة عبر طرق محفوفة بالموت. وتشير تقديرات النزاعات إلى أن عام 2025 وحده شهد مقتل أكثر من 17 ألف شخص، فيما يُقدّر إجمالي ضحايا الحرب منذ اندلاعها بما لا يقل عن 150 ألف قتيل.
يرى الباحث السوداني المقيم في باريس محمد تورشين أن الحرب شكّلت نقطة تحول حاسمة في سلوكيات السودانيين تجاه الهجرة. ففي بدايات الصراع، لم يتوقع كثيرون أن يتحول إلى حرب طويلة الأمد، لكن استمرار القتال واتساع رقعته وانسداد الأفق السياسي دفع شرائح واسعة إلى البحث عن مخرج، وكان اللجوء إلى أوروبا أحد أبرز هذه الخيارات.
وتكشف بيانات المنظمة الدولية للهجرة عن حضور لافت للنساء والأطفال ضمن الوافدين، إذ شكّلت النساء نحو 18% من العينة الواردة من اليونان، بينما بلغت نسبة الأطفال القادمين إلى إيطاليا نحو 18%، معظمهم مراهقون بين 15 و17 عاماً. وتبقى الحرب السبب الرئيسي للهجرة لدى الغالبية الساحقة من الرجال والنساء، تليها دوافع مرتبطة بالعنف الشخصي، بينما تظهر الأسباب الاقتصادية كعامل ثانوي.
ولا يصل السودانيون إلى أوروبا مباشرة، بل بعد مسارات طويلة عبر دول مثل ليبيا ومصر، حيث يتعرض كثيرون للاحتجاز القسري والعمل دون أجر والعنف الجسدي. ويشير تورشين إلى أن طرق الهجرة عبر ليبيا أصبحت خياراً مطروحاً لدى الشباب، مدفوعة بانهيار الاقتصاد وتراجع فرص العمل داخل السودان، إضافة إلى ظروف قاسية في دول العبور.
أما على مستوى المستقبل، فيبدو المشهد أكثر قتامة. فالمجتمع الدولي يركز على إدارة تداعيات الأزمة أكثر من معالجة جذورها، بينما تتحمل دول الجوار العبء الأكبر دون دعم كافٍ. ويؤكد تورشين أن استمرار الهجرة يمثل استنزافاً خطيراً للقوة البشرية في بلد يُعد من أكثر الدول شباباً، ما سيؤثر سلباً على إعادة الإعمار والتنمية بعد الحرب. ومع تقدير عدد سكان السودان بنحو 50 مليون نسمة، فإن نزيف الهجرة سيترك آثاراً ديموغرافية واقتصادية عميقة تمتد لعقود.
الهجرة السودانية إلى أوروبا لم تعد مجرد أرقام، بل مرآة لأزمة تتجاوز حدود السودان، وتطرق أبواب القارة الأوروبية، وتكشف عن مستقبل مقلق لجيل كامل يهرب من حرب بلا أفق.











