اخبار السودانتحقيقات

جبال النوبة.. الزراعة الجبلية ملاذ صمود في زمن الحرب

متابعات- نبض السودان

مع دخول حرب أبريل عامها الثالث، لم ينجُ جانب من حياة السودانيين من آثارها المدمرة، حيث ألحقت الموت والانتهاكات والمجاعة والنزوح أضرارًا جسيمة بحياة المدنيين والقطاعات التنموية على حد سواء. في جنوب كردفان، الذي يشهد نزاعات منذ العام 2011، جاءت حرب 15 أبريل لتضاعف من معاناة السكان، مستهدفة الزراعة التجارية والاكتفائية على حد سواء.

الكرقل وكرتالا: الزراعة على حافة الانهيار

في منطقة الكرقل شمال كادوقلي، أدى استمرار العمليات العسكرية إلى تعطيل الزراعة لعامين متتاليين. في كرتالا بالجبال الستة، انخفضت المساحات المزروعة إلى 30% فقط من إجمالي الأراضي، بينما اكتفى سكان الدلنج بزراعة مساحات صغيرة تعرف بـ”الجبراكة”، حول منازلهم لمحاصيل محدودة، لتأمين الحد الأدنى من الغذاء.

كادوقلي.. العودة إلى أعالي الجبال

في كادوقلي، وبعد عقود من ترك النوبة الزراعة في أعالي الجبال، فرض الحصار الخانق على الأراضي الزراعية خارج المدينة على السكان صعود القمم القريبة لزراعة مساحات صغيرة في أحياء مثل: كلبا، مرتا، حجر المك، كليمو، تافري، السمة، وجبل لوفو.

خديجة توتو، صاحبة “جبراكة” بجبل لوفو، إن السكان لم يعودوا قادرين على الوصول إلى أراضيهم البعيدة، ما دفعهم إلى الزراعة في الجبال القريبة، مضيفة أن المحصول الناتج ضئيل ولا يكفي الأسر، لكنه أفضل من البقاء بلا أي غذاء. وأكدت أن المساعدات الإنسانية غير كافية لتغطية احتياجات الأسر في ظل الحصار المستمر، نقلا عن “الترا سودان”.

مشهد يومي يعكس المعاناة

في الجبال المحيطة بكادوقلي، تظهر مأساة صامتة: نساء يحملن أدوات الزراعة على أكتافهن، وأطفال يرافقونهن بجرادل صغيرة للمياه أو الطعام، بينما الرجال يحفرون في تربة صخرية صعبة. المحاصيل بالكاد تكفي لسد الرمق، ولا تترك فائضًا للتجارة أو تخزين الغذاء، ما يزيد هشاشة الأمن الغذائي في المنطقة.

موسى عطرون، تاجر ذرة، قال إن عامين من الحرب جعل التجار وأصحاب الأراضي الكبيرة يتجنبون الزراعة بالآليات الثقيلة مثل التراكتورات، واكتفوا بشراء الذرة عبر الحدود مع جنوب السودان أو عبر التهريب. وأوضح أن المساحات المزروعة هذا العام لا تتجاوز “المخمسان”، أي مساحة تساوي فدانًا، ما يهدد بحدوث أزمة جديدة في وفرة الذرة، مع ارتفاع سعر “ملوة” الذرة إلى 25 ألف جنيه.

الزراعة الجبلية.. ملاذ تاريخي للنوبة

الزراعة في أعالي الجبال لم تكن يومًا خيارًا اقتصاديًا للنوبة، بل كانت ملاذًا اضطراريًا في أزمنة الأزمات المختلفة، بدءًا من العصر التركي، مرورًا بالمهدية، وصولًا إلى الحقبة الاستعمارية البريطانية، حيث أجبر الاضطهاد والقهر الأهالي على اللجوء إلى القمم الزراعية لتأمين بقائهم.

زراعة التروس أو “الكنتور”

وفقًا للباحث د. توحيد خميس، ما يُعرف بـ”زراعة التروس” أو “الكنتور” تُمارس في أعالي الجبال أو على سفوحها، حيث تسمح خطوط الزراعة المتعرجة للنباتات بالنمو رغم ضيق المساحات. وأوضح أن هذه الزراعة ليست خيارًا طبيعيًا، بل آلية يلجأ إليها الناس في أوقات الشدة والحروب، كما أن ارتباط النوبة بالجبال له جذور تاريخية حيث لجأوا إليها طلبًا للحماية في فترات النزاع.

الحرب تُعيد الناس إلى الجبال

اليوم، ومع الحصار على كادوقلي وتراجع المساعدات الإنسانية، يجد المواطنون أنفسهم مضطرين للعودة إلى هذه الزراعة التقليدية كحل للبقاء. الزراعة في الجبال توفر حدًا أدنى من الاكتفاء الغذائي، وتعيد للأهالي بعض القدرة على الصمود في مواجهة الحرب المستمرة، رغم أن إنتاجها محدود ولا يغطي سوى احتياجات العيش الأساسية.

آثار اقتصادية واجتماعية

تراجع الإنتاج الزراعي في الأراضي المنخفضة أجبر السكان على الاعتماد على محاصيل محدودة في الجبال، ما يزيد من تكلفة الغذاء، ويضعف التجارة المحلية، ويؤثر على استقرار الأسر اقتصادياً. كما يضاعف الضغط على النساء والأطفال الذين يتحملون جزءًا كبيرًا من العمل الزراعي، ما ينعكس على التعليم والصحة العامة.

الزراعة الجبلية في جبال النوبة اليوم ليست مجرد خيار اقتصادي، بل ملاذ حيوي يتيح للأهالي الاستمرار في الحياة رغم الحرب المستمرة، ويظهر قدرة المجتمع على التكيف مع أقسى الظروف، مع الحفاظ على المعرفة الزراعية التقليدية التي تناقلتها الأجيال عبر العقود.

زر الذهاب إلى الأعلى