
متابعات- نبض السودان
في اكتشاف وُصف بالمفاجئ، أعلن باحثون من جامعة طوكيو عن رصد جزيئات حمض نووي عملاقة غير معروفة سابقًا تُسمى «إنوكليس» تعيش في فم الإنسان. هذه العناصر الجينية قد تعيد تشكيل فهمنا لصحة الفم، إذ تساهم في تكيف البكتيريا مع البيئة الفموية المتغيرة، وقد ترتبط حتى بالمناعة وخطر الإصابة بالسرطان. الدراسة نُشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» في 11 أغسطس 2025، مشيرة إلى أن نحو 74% من سكان العالم قد يحملون هذه الجزيئات دون علمهم.
ميكروبيوم الفم.. العالم الخفي
يُعد جسم الإنسان موطنًا لمليارات الكائنات الدقيقة التي تكوّن ما يُعرف بالميكروبيوم. ورغم أن ميكروبيوم الأمعاء استحوذ على الاهتمام الأكبر خلال السنوات الماضية، إلا أن ميكروبيوم الفم يبرز الآن كحقل أبحاث واعد، يكشف الكثير عن الصحة العامة والأمراض. الفريق البحثي بقيادة يويا كيغوتشي استعان بمئات عينات اللعاب بحثًا عن عناصر جينية مجهولة، مستلهمين اكتشافات مشابهة في بكتيريا التربة.
ولادة مصطلح «إنوكليس»
أوضح كيغوتشي أن الاكتشاف تمثل في العثور على جزيئات وراثية خارج الكروموسوم البكتيري الرئيسي، أشبه بحواشي إضافية لكتاب جيني لم يُقرأ بالكامل بعد. هذه الجزيئات أُطلق عليها اسم «إنوكليس»، وتعيش في بكتيريا شائعة في الفم تُعرف باسم «المكورات السبجية اللعابية».
التقنية التي فتحت الباب
لم يكن من السهل التوصل إلى هذا الاكتشاف، إذ إن التقنيات التقليدية لتسلسل الحمض النووي كانت تُجزئ المادة الوراثية إلى مقاطع صغيرة. غير أن الفريق الياباني استخدم تقنية «التسلسل طويل القراءة» إلى جانب ابتكار الباحثة ناغيسا هاماموتو طريقة «برينك» التي أزالت الحمض النووي البشري من عينات اللعاب، مما سمح بتركيز أدق على المادة الوراثية البكتيرية وإعادة بناء الخريطة الجينية الكاملة للـ«إنوكليس».
عنصر جيني عملاق
بحجم يناهز 350 ألف «حرف» جيني، تُعد «إنوكليس» من أضخم العناصر الوراثية المكتشفة خارج الكروموسومات. هذا الحجم يمنحها قدرة على حمل جينات مهمة مثل تلك المسؤولة عن إصلاح الحمض النووي، ومقاومة الظروف البيئية القاسية، وحماية جدار الخلية البكتيرية، مما يمنحها مرونة استثنائية للبقاء في بيئة الفم.
أسئلة كبرى وتداعيات صحية
يفتح الاكتشاف تساؤلات عدة: كيف تنتقل هذه الجزيئات بين البشر؟ هل ترتبط بتسوس الأسنان أو أمراض اللثة؟ وهل يمكن أن تكون علامات مبكرة لأمراض أشد خطورة مثل السرطان؟ الباحثون يخططون لعزل البكتيريا المحتوية على «إنوكليس» وزراعتها في المختبر لدراسة وظائفها.
الذكاء الاصطناعي في خدمة الاكتشاف
سيعتمد الفريق على برامج متقدمة مثل «ألفافولد» الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي للتنبؤ ببنية البروتينات ودور الجينات. هذه المقاربة قد تكشف وظائف خفية للـ«إنوكليس» وتفتح الباب أمام ابتكارات علاجية جديدة.
بين صحة الفم والمناعة
قد يثبت المستقبل أن ميكروبيوم الفم يلعب دورًا لا يقل أهمية عن ميكروبيوم الأمعاء، حيث يمكن أن تكون العلاقة بين «إنوكليس» والمناعة أو الأمراض الجهازية أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد. فوجود هذه العناصر لدى ثلاثة أرباع البشر يعني أنها قد تؤثر في الصحة العامة بشكل واسع.
خطوة نحو علاجات جديدة
يرى الباحثون أن دراسة «إنوكليس» قد تقود إلى أدوات تشخيصية مبتكرة أو حتى استراتيجيات علاجية لأمراض الفم واضطرابات المناعة والسرطان. وجودها يفتح الباب لفهم جديد لصحة الإنسان على مستوى أعمق.
بداية رحلة جديدة في علم الميكروبيوم
كما يوضح كيغوتشي: «الآن وقد عرفنا بوجودها، نستطيع البدء في استكشاف تأثيرها على صحتنا وربما تطوير طرق جديدة للوقاية والعلاج». الاكتشاف يمثل انطلاقة نحو آفاق جديدة في دراسة الميكروبيوم الفموي، مع احتمالات هائلة لمستقبل الطب











