
متابعات- نبض السودان
تشهد مدينة كادوقلي بولاية جنوب كردفان أوضاعًا إنسانية غاية في الصعوبة، مع تدهور الأوضاع المعيشية والصحية بصورة متفاقمة، في ظل استمرار القصف وتراجع الإمدادات الغذائية والدوائية، وسط تحذيرات من كارثة إنسانية وشيكة إذا لم تحدث تدخلات عاجلة من الحكومة أو المنظمات الدولية.
أحداث دامية وتوتر أمني
في 15 أغسطس الجاري، عُثر على شخصين تعرضا للضرب في حي المثلث بمدينة كادوقلي، حيث توفي أحدهما في الحال، بينما تمكن الآخر من الوصول إلى قسم شرطة القطاع الغربي. وأكد المواطن عمر كجو، وهو من سكان الحي، أن الأهالي فوجئوا صباحًا بجثة ملقاة على الأرض، دون معرفة تفاصيل الحادثة حتى الآن.
وفي 13 من الشهر نفسه، تعرّضت المدينة لقصف عنيف نفذته الحركة الشعبية شمال – جناح عبد العزيز الحلو، استهدف أحياء المصانع والسرف والتنمية، وأسفر عن مقتل عسكري يُدعى عوض. وقد أدى القصف إلى إغلاق السوق وإيقاف خدمات الإنترنت التجاري “ستارلنك”، مما ضاعف من عزلة المدينة.
أزمة صحية خانقة
الوضع الصحي في كادوقلي يتدهور بوتيرة خطيرة. فقد سُجلت إصابات بمرض الكوليرا داخل السجون، مع وفاة أحد النزلاء، بينما تتستر السلطات على ظهور أكثر من 13 حالة جديدة وفق إفادات موظفة بالمستشفى التعليمي.
وأضافت المصادر أن المستشفيات تعاني نقصًا حادًا في الأدوية الأساسية، بما في ذلك أدوية الأمراض المزمنة مثل الضغط والسكري، وانعدام لقاحات الأطفال، إضافة إلى انتهاء صلاحية حقن “التيتانوس”. كما توقف مركز غسيل الكلى والعمليات الجراحية في المستشفى التعليمي، بينما يواجه الأطفال المصابون بسوء التغذية خطرًا متزايدًا لغياب المكملات الغذائية.
كما أشارت المصادر إلى أن الوضع الصحي للنساء مأساوي، مع انعدام الفوط الصحية وأدوية الفيتامينات الخاصة بفترة الحمل، ما أدى إلى ارتفاع معدلات وفيات الأطفال والأمهات أثناء الولادة. ووصفت الوضع الصحي بأنه “كارثي تمامًا”، محذرة من عواقب وخيمة إذا لم يتم التدخل عبر إسقاط الأدوية والمعينات الطبية خلال الأيام المقبلة.
السوق وغلاء الأسعار
تفاقمت الأزمة المعيشية مع انعدام السلع الغذائية الأساسية. فقد وصل سعر ملوة الذرة – الغذاء الرئيسي في المنطقة – إلى 50 ألف جنيه رغم ندرتها. كما اختفى السكر والملح والأرز والعدس من الأسواق، بينما بلغ سعر ملوة البصل 120 ألف جنيه، وملوة الملح 200 ألف جنيه، ورطل الزيت 35 ألف جنيه.
وفي ظل تعطل شبكات الإنترنت، يلجأ المواطنون إلى المقايضة لتأمين احتياجاتهم. ومع إغلاق الطريق القومي الرابط بين كادوقلي والدلنج والأبيض، فقدت المدينة منفذها التجاري الرئيسي، ولم يبق سوى الاعتماد على بضائع تُهرب من محافظة القوز عبر “التكتك”. لكن هذا المسار توقف منذ يونيو الماضي نتيجة تدهور الأوضاع الأمنية.
ووفق شهادات ميدانية، يعتمد أغلب السكان على أوراق الأشجار والنباتات الخريفية مثل “الكول” و”اللوبيا” و”اللالوب” لسد رمقهم، بينما أجبرت الظروف القاسية مئات الأسر على النزوح إلى الدلنج والكرقل أو مناطق سيطرة الحركة الشعبية.
النزوح والتحذيرات الطبية
بحسب بيانات المنظمة الدولية للهجرة، فقد نزح 3,070 شخصًا من كادوقلي ما بين 6 و10 أغسطس الجاري نتيجة الصراع وتدهور الأوضاع الاقتصادية. وكانت نقابة أطباء السودان قد حذرت منذ فبراير الماضي من النقص الكارثي في الأدوية المنقذة للحياة، داعية المنظمات الدولية مثل الصليب الأحمر وأطباء بلا حدود للتدخل الفوري، وفتح مسارات آمنة لإجلاء الجرحى وضمان حماية المرافق الصحية والطواقم الطبية.
حصار ممتد ومعاناة إنسانية
الصحفي فيصل سعد أوضح أن الأزمة في جنوب كردفان عامة، وكادوقلي خاصة، تتفاقم منذ أكثر من عامين وثلاثة أشهر بسبب الحصار. وأشار إلى أن السكان في الدلنج وكادوقلي وأريافهما يعيشون على جذوع الأشجار، بينما تسجل وفيات متكررة بسبب لدغات الثعابين أو السقوط من الأشجار أثناء جمع أوراق التبلدي.
وأضاف سعد أن الأزمة في كادوقلي لا تقل خطورة عن أزمة الفاشر، وأن مأساة المواطنين تكمن في “الموت البطيء” بسبب الجوع والمرض، في ظل غياب تدخل حكومي جاد أو تحرك شعبي واسع. وأكد أن الأزمة قد تمتد إلى مناطق أخرى مثل تلودي وكلوقي، خاصة أن بعض المناطق تعيش حصارًا سنويًا خلال موسم الأمطار.
تحذير من كارثة وشيكة
في ختام إفادته، شدد سعد على أن صورة الطفل خليفة عبد العال عفيف، الذي لقي حتفه بعد سقوطه من شجرة تبلدي أثناء محاولته جمع أوراقها، تختصر حجم المأساة الإنسانية التي تعيشها المنطقة. ودعا إلى تدخل عاجل من المنظمات الدولية والضغط على الأطراف المتحاربة لفتح الطرق وإيصال الغذاء والدواء، محذرًا من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى كارثة أكبر من تلك التي تعيشها الفاشر.











