اخبار السودان

الدواء مفقود.. رحلة البحث عن الحياة في صيدليات السودان

متابعات – نبض السودان

داخل صيدليات العاصمة ومدن السودان الكبرى، لم تعد رحلة شراء دواء مجرد خطوة روتينية بعد الاستشارة الطبية، بل تحوّلت إلى معركة قاسية ضد الندرة والغلاء والابتزاز، منذ اندلاع الحرب، اختفت آلاف الأصناف الدوائية من السوق الرسمي، وظهرت بدائل مغشوشة أو مهرّبة بأسعار خيالية، وسط غياب الرقابة الصحية وضعف الدولة، فيما يتساقط المرضى من أصحاب الأمراض المزمنة ضحايا لهذه الفوضى الصامتة.

شلل في سلاسل الإمداد الدوائي

أدى تدمير المصانع الدوائية وتوقف الواردات وتعطل خطوط النقل إلى انهيار شبه كامل في نظام توزيع الأدوية، خاصة في المناطق المتأثرة بالنزاع. فالمخازن لم تعد تستقبل شحنات جديدة، والمستودعات الحكومية فارغة، ومصانع الأدوية المحلية متوقفة في معظمها بسبب انعدام المواد الخام والكهرباء والوقود، ما فتح الباب أمام سماسرة الأدوية وسوق سوداء تزداد وقاحة يومًا بعد آخر.

السوق السوداء.. أرباح من الألم

في الأحياء السكنية، على أطراف الأسواق، وأحيانًا داخل صيدليات تعمل خلسة، يعرض سماسرة الأدوية أدوية السكري والضغط والقلب والمضادات الحيوية بأسعار تصل إلى عشرة أضعاف أسعارها السابقة. ويضطر المرضى وأسرهم إلى شراء هذه الأدوية بأي ثمن، لأن البديل الوحيد هو الموت البطيء. وقد وُثّقت حالات بيع حقن إنسولين بـ25 ألف جنيه، وأدوية قلب بسعر يصل إلى 50 ألفًا، فيما تُهرّب بعض الأدوية من مصر أو تشاد أو إثيوبيا دون رقابة أو ضمانات.

الأدوية المنتهية.. خطر آخر يهدد المرضى

إلى جانب ندرة الأدوية، بدأت تنتشر ظاهرة بيع أدوية منتهية الصلاحية أو مخزنة بطرق غير آمنة في ظروف حرارة مرتفعة، ما يجعلها غير فعالة وربما سامة. ويشتكي صيادلة وناشطون من غياب تام للرقابة من المجلس القومي للأدوية والسموم، الذي لم يعد قادرًا على إدارة الأزمة أو التصدي لها بفعل الانقسام المؤسسي والانهيار الإداري.

مأساة أصحاب الأمراض المزمنة

الضغط والسكري والسرطان والربو وأمراض الكلى.. كلها أصبحت أشبه بحكم إعدام على أصحابها في السودان اليوم. يقول مرضى إنهم يبحثون لأسابيع دون جدوى عن أدوية حيوية، ويضطر بعضهم لإيقاف العلاج أو تخفيض الجرعات، ما أدى إلى تفاقم الحالات ووفاة البعض. ويؤكد أطباء أن عددًا من الحالات التي كان يمكن علاجها بسهولة تحوّلت إلى مآسٍ قاتلة بسبب غياب الدواء أو تعذر الوصول إليه.

أزمة الدواء.. كارثة بلا صدى

رغم فداحة الأزمة، إلا أن ملف الدواء في السودان لا يحظى بالاهتمام الكافي لا داخليًا ولا خارجيًا. فالمبادرات الإنسانية تركز على الغذاء والمأوى، فيما يعاني النظام الصحي من شلل شبه تام، وسط نقص الكوادر وهجرة الصيادلة وتوقف الإمداد. ويرى مراقبون أن غياب خطة وطنية واضحة لإدارة الأزمة الصحية يزيد من تعقيد الوضع ويفتح المجال أمام مافيات جديدة تتاجر بالحياة نفسها.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

زر الذهاب إلى الأعلى