اخبار السودان

مؤتمر برلين حول السودان.. غياب الجيش وقوى وطنية وانحياز دولي يثير الجدل

خاص – نبض السودان

في خطوة أثارت موجة واسعة من الانتقادات، يُعقد في العاصمة الألمانية برلين يوم 15 أبريل الجاري النسخة الثالثة من المؤتمر الدولي حول الأزمة السودانية، وسط اتهامات واضحة بعدم التوازن والانحياز الدولي لصالح مليشيا “الدعم السريع”، وتهميش واضح للجيش السوداني وقواه الوطنية.

إقصاء متعمّد للجيش السوداني

وممّا أثار شبهات وتساؤلات كثيرة في الأوساط السياسية السودانية والدولية، هو الغياب التام للجيش السوداني عن قائمة المدعوين، في خطوة يرى مراقبون أنها تعكس وقوف الإمارات العربية المتحدة وبعض القوى الغربية (الداعمة لميليشيات الدعم السريع) خلف تنظيم وتمويل هذا المؤتمر، بهدف إنهاء الحرب وفق رؤى تخدم مصالحها، لا وفق ما يصب في مصلحة الشعب السوداني واستقرار البلاد.

وقد اعتبرت مصادر دبلوماسية مطلعة أن الضغوط الإماراتية والغربية كانت حاسمة في استبعاد ممثلي الجيش، تمهيدًا لتمرير تسويات لا تراعي التوازنات العسكرية والسياسية على الأرض.

مقاطعة واسعة للمؤتمر من قوى موالية للحكومة

في سياق متصل، أعلنت عدة قوى سياسية موالية للحكومة السودانية مقاطعتها للنسخة الثالثة من مؤتمر برلين، معتبرة أن الدعوات جاءت بشكل غير متوازن ويعكس أجندة خارجية.

وفي تصريح خاص، قال رئيس تنسيقية القوى الوطنية، محمد سيد أحمد الجاكومي، إنهم “يُقاطعون المؤتمر بسبب دعوات غير متوازنة، حيث إن كتلة واحدة موالية لتحالف ‘صمود’ المدني الديمقراطي برئاسة عبد الله حمدوك تحظى بأكثر من نصف عدد المشاركين، في حين أُقصيت قوى وشخصيات فاعلة من الطرق الصوفية والقيادات القبلية والمجتمعية والشبابية والنسوية الوطنية”. وأضاف الجاكومي أن هذا الإقصاء “يكشف عن نية مبيتة لتمرير رؤية خارجية لا تعكس إرادة السودانيين”.

وكان تحالف “صمود” الذي شارك في النسختين السابقتين من المؤتمر قد رحب بدعوة برلين وأعلن مشاركته، في حين أعلنت مركزية تجمع المهنيين الوطنيين مقاطعتها لمؤتمر برلين، منتقدة ما وصفته بـ”انحراف الآلية الخماسية عن دورها كوسيط محايد”.

من جانبه أعلن تجمع السودانيين بالخارج (صدى) رفضه لأي ترتيبات دولية تتجاوز السيادة الوطنية للسودان، محذرا من محاولات فرض أجندات خارجية عبر مؤتمر برلين.

خبير: الدور الأمريكي كوسيط.. “غدر لا موثوقية”

من جهة أخرى، فإن أحد أبرز الإشكاليات التي يثيرها المؤتمر، وجود الأمريكيين كطرف وسيط في المفاوضات لإنهاء الصراع في السودان. وبحسب الباحث المتخصص بالشأن السوداني بشير عبدالله فإن الدور الأمريكي “سلبي” بامتياز، مؤكداً بأن الولايات المتحدة الأمريكية تعمل فقط لتحقيق مصالحها، وأن التجارب السابقة في السودان وخارجه خير برهان.

ووفقاً للخبير، في يوليو الماضي، فشل مؤتمر “الرباعية الدولية” الذي رعته واشنطن في تحقيق أي نتيجة تذكر على الأرض، وكان نموذجًا صارخًا للوعود غير المنجزة. أما على الصعيد الدولي، فالجميع يتذكر كيف كانت واشنطن تفاوض إيران وفي الوقت نفسه تجهز طائراتها وبوارجها وحاملات طائراتها لضربها، وهو ما يُعد دليلاً دامغًا على “الغدر الأمريكي” وعدم الموثوقية للعب دور الوسيط في مفاوضات مصيرية، ناهيك عن عدم اكتراث واشنطن بمصالح الشعب السوداني.

أهداف معلنة وأخرى خفية للمؤتمر.. قراءة بين السطور

ويرى العديد من الخبراء بأن أخطر تجليات الدور السلبي للإمارات يتمثل في الملف السوداني. فبالإضافة إلى الشكوى الرسمية التي رفعتها الخرطوم لمجلس الأمن ضد الامارات بتهمة تزويدها مليشيا “الدعم السريع” بالسلاح والمرتزقة عبر تشاد ولاحقاً عبر إثيوبيا، صرّح مصدر عسكري في الجيش السوداني، بوقت سابق، بأن القوات المسلّحة السودانية تمكنت من إسقاط طائرة إماراتية في الأجواء السودانية، تحمل على متنها مرتزقة كولمبيين وأوكرانيين وأجانب.

وكانت صحيفة “لاسيلا فاسيا” الكولومبية قد كشفت في مارس الماضي، عن وجود مرتزقة كولومبيين يقاتلون إلى جانب “الدعم السريع” في السودان ويتقاضون رواتب هائلة من الإمارات. وبحسب العديد من الخبراء فإن الدعم الإماراتي لميليشيات “الدعم السريع” لعب دوراً رئيسياً في إطالة أمد الصراع ومعاناة الشعب السوداني.

في سياق متصل، يُعلن القائمون على مؤتمر برلين أن هدفه هو “وقف الحرب عبر تضافر الجهود الدولية والإقليمية، وتوسيع الاستجابة الإنسانية بمشاركة منظمات أممية ودولية”. لكن خبراء ومراقبين يرون أن الهدف الحقيقي مختلف تمامًا.

في هذا السياق، أوضح محللون سياسيون أن القوى الغربية والإمارات لم يعد بإمكانها الاستمرار في دعم قوات ‘الدعم السريع’ كما كان الوضع سابقًا، بسبب الظروف الدولية الراهنة، وأبرزها إغلاق مضيق هرمز وتبعاته، والحرب الأوكرانية-الروسية التي كلفت الأوروبيين والقوى الغربية كثيرًا ولا يزالون يعانون منها”. وبناءً على ذلك، يسعى هؤلاء إلى إنهاء الحرب في السودان بطرق دبلوماسية وسياسية، أقل تكلفة، ولكن بما يتفق مع مصالحهم أولاً وأخيرًا، وليس بما يحقق السلام العادل للشعب السوداني.

وبالتالي، فإن مؤتمر برلين المقبل يبدو أشبه بمحطة ضغط جديدة تهدف إلى فرض رؤية خارجية على السودان، في غياب الجيش وإقصاء القوى الوطنية الحقيقية. وتزداد التساؤلات حول مدى جدية المجتمع الدولي في إحلال السلام، طالما أنه يكرس الانحياز ويقدم مصالحه الضيقة على دماء السودانيين ومستقبل بلادهم.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى