مقالات الرأي

بنكك» معطل الي متى يظل إقتصاد دولة معلقاً بخيط رقمي واحد؟

«بنكك» معطل، الي متي يظل اقتصاد دولة معلقاً بخيط رقمي واحد؟ –  الأستاذ الجامعى الدكتور/ الفاتح يس

تحوّل تعطل تطبيق «بنكك» التابع لبنك الخرطوم من مجرد عطل تقني مصرفي عابر، إلى أزمة معيشية وعقبات في سبيل تحول السودان الي الاقتصاد الرقمي، وتسببت في شلل تجاري وإجتماعي واحتجاز قسري لأموال الملايين من المواطنين والمغتربين. ففي ظل شح السيولة النقدية الحاد والظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، تحول هذا التطبيق الرقمي إلى “الدينامو” شبه الوحيد لتسيير المعاملات اليومية، ليرسم العطل الأخير علامة استفهام كبرى: إلى متى يظل اقتصاد دولة وشعب معلقاً بخيط رقمي واحد؟

الجهة المسؤولة قانوناً وإدارياً عن التطبيق وعن هذا الفشل الفني المتكرر هي إدارة بنك الخرطوم. ومع ذلك، بنك السودان المركزي يتحمل المسؤولية الرقابية والتنظيمية الكاملة؛ فهو الجهة المخولة قانوناً بالإشراف على منظومة المدفوعات والرقابة على البنوك المصارف.
أما اتحاد المصارف السوداني، فيقبع في دائرة الصمت السلبي، عاجزاً عن التوسط أو الضغط لترتيب شبكة أمان مصرفية تحمي العملاء. المسؤولية القانونية والأخلاقية عن الخسائر الناتجة عن تجميد الأموال وحرمان المواطنين من توفير أموالهم تقع بالتضامن بين إدارة البنك التي فشلت في توفير خوادم احتياطية (Disaster Recovery)، والبنك المركزي الذي لم يفرض عقوبات رادعة أو حلولاً جذرية لحماية المستهلك المصرفي.

تسبب الانقطاع في حالة ركود حاد واضطراب في حركة التحول الرقمي. بعد أن تخلت الأسواق، المخابز، البقالات، الصيدليات، ومحطات الوقود عن النقد (الـكاش)، عاد المواطنون فجأة للبحث عن السيولة المفقودة تحت شعار “عندكم كاش؟”

تحولت الأموال داخل الحسابات إلى مجرد أرقام وهمية على شاشات الهواتف لا تستطيع الحصول عليها عند الحاجة.

اما بالنسبة للجنيه السوداني، زاد العطل من تدهور الثقة في النظام المصرفي ككل، مما يدفع المتعاملين إلى التكالب على العملات الأجنبية أو الذهب لحفظ قيمة أموالهم بعيداً عن التطبيقات المحتجزة، وهو ما يساعد بانهيار القيمة الشرائية للجنية.

اما بالنسبة للمغتربين والمستفيدين: يُعتبر تطبيق «بنكك» الوسيلة الأساسية التي يعتمد عليها ملايين المغتربين لإرسال مدفوعات مصاريف المعيشة داخل السودان. هذا التعطل شبة قطع حبل الوريد المالي عن العائلات التي تعتمد حصرياً على هذه التحويلات السريعة، مما خلق أزمات إنسانية في السداد والإيفاء بالالتزامات.

لغز غياب المنافسة: أين «فوري» و«أوكاش»؟
من المفترض اقتصادياً أن يمثل سقوط “بنكك” فرصة ذهبية لتطبيقات منافسة مثل «فوري» (بنك فيصل الإسلامي) و**«أوكاش» (بنك أمدرمان الوطني)** لالتهام حصة سوقية ضخمة وإغراء المواطنين. فلماذا تسود حالة عدم التنافس والجمود؟ ربما يعود ذلك لعدة أسباب جوهرية:
1. تأثير الشبكة (Network Effect): الغالبية العظمى من التجار والمواطنين يملكون حسابات في بنك الخرطوم. لكي يتحول التاجر إلى تطبيق آخر، يحتاج إلى أن يكون كل زبائنه ومورديه يملكون نفس التطبيق، وهو ما يجعل اختراق السوق صعباً جداً لتجذر “بنكك” في المعاملات.
2. هشاشة البنية التحتية المشتركة: التطبيقات الأخرى لا تعمل بمعزل عن الواقع؛ فهي مرتبطة بـ محول المدفوعات القومي (EBS) التابع للبنك المركزي، وشبكات الاتصالات والإنترنت المهتزة في البلاد. عند حدوث ضغط فجائي ومحاولة هجرة جماعية من تطبيق إلى آخر، تنهار الخوادم.
3. قصور التسويق وبيروقراطية فتح الحسابات: على الرغم من إطلاق تحديثات مثل فتح الحساب بالرقم الوطني أونلاين، فإن هذه البنوك لم تقدم حملات إغراء حقيقية (مثل إلغاء الرسوم، أو تقديم تسهيلات للتجار) بالسرعة والمرونة الكافية لكسر الاحتكار خلال ساعات الأزمة.
إن الاعتماد على “نقطة فشل مركزية واحدة” (Single Point of Failure) في إدارة مدفوعات شعب بأكمله هو مخاطرة بالأمن القومي والاقتصاد الرقمي.
لقد آن الأوان للبنك المركزي لفرض عقوبات على اي تعطيل، وأيضا لقد آن الأوان لتطبيق فوري وأوكاش إستغلال هذه الفرصة وتشجيع المواطنين لفتح حسابات في تطبيقاتهم وممارسة التحويل المرن واللحظي بين جميع البنوك دون قيود، حتى لا تظل مصائر الناس وأموالهم رهينة لتطبيق واحد يفتح ويغلق متى ما شاءت خوادمه.

د. الفاتح يس
الأستاذ الجامعى

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى