مقالات الرأي

سكات الخرطوم.. بحر العطاشا نشف نشرب بواقي السيل

كتب – دكتور عبدالله إدريس عبدالله

الخرطوم، فهمي سيد (48 سنة) يعول اسرة من أربعة أفراد هو خامسهم يقف منذ ساعات الصباح الأولى على حافة الطريق الرئيسي بحي الصالحة غربي ولاية الخرطوم منتظرًا قدوم العربات التي تحمل الماء.

وقال: “في ظل انعدام المياه بصورة متواصلة هذه الأيام أجد نفسي مجبرًا كل ثلاثة أيام أن أقف عدة ساعات من أجل شراء برميل مياه بمبلغ 25 ألف جنيه”. وأضاف أن هذه المياه يعمل على ترشيدها بصورة دقيقة وصارمة داخل أسرته لكي تكفي لمدة ثلاثة أيام.

وفهمي سيد هو نموذج لآلاف من سكان ولاية الخرطوم من ذوي الدخل المحدود والذين أجبرتهم الحرب على طرق سبل كسب رزق لم يكونوا يعملون بها قبل الحرب، وبالتالي لا يستطيعون تغطية تكلفة متطلبات الحياة اليومية، ليأتي توقف سريان المياه عبئًا إضافيًا جديدًا. فأغلب سكان المناطق التي توقف إمداد المياه فيها هم من الموظفين الذين فصلتهم الشركات التي كانوا يعملون بها، أو أنهم يعملون في القطاع العام الذي يعطي مرتبات توصف بأنها ضعيفة.

ويقول الموظف فهمي: “إنني أستهلك أنا وأسرتي عشرة براميل في الشهر بمعدل برميل كل ثلاثة أيام، وسعر البرميل 25 ألف جنيه، وهذا يعني أنني أحتاج إلى مبلغ 250 ألف جنيه في الشهر، في حين أن مرتبي لا يتجاوز 350 ألف جنيه في الشهر”. وأضاف أنه بسبب انعدام المياه ظهر تجار الأزمات، وأصبح بيع المياه تجارة رابحة للكثيرين. ولم يستبعد ظهور أمراض مرتبطة بتجارة بيع المياه مثل التيفوئيد والكوليرا والإسهالات وغيرها. لأن المياه تُنقل في عربات تجرها الدواب، وحتى البراميل التي تحمل تلك المياه غير مطابقة للاشتراطات الصحية، كما أن المياه مجهولة المصدر ولها رائحة كريهة وطعم غير مستساغ.

وتساءل المواطن فهمي سيد بحزن: كيف تعطش ولاية كاملة في الوقت الذي يقسمها نهر النيل وروافده (النيل الأزرق والنيل الأبيض) إلى ثلاثة أجزاء، وأن أي مواطن يستطيع الوصول إلى ضفاف النيل سيرًا على الأقدام من منزله في أقل من ساعة، في الوقت الذي تفشل فيه الحكومة في توصيل المياه للمواطنين في هذه الفترة من السنة في كل عام.

وعندما طرحنا سؤال المواطن فهمي سيد على المهندس الدكتور خالد ياسين، أكد أن سبب انحسار النيل يعود إلى تراجع وارد النيل الأزرق نتيجة لسياسة إدارة تصريف سد النهضة الإثيوبي. وهذه السياسة قد يكون دافعها إما تأخر نزول الأمطار هناك أو، كما هو واضح، تخزين المياه خلف سد النهضة، مما أدى إلى تغيير في هيدرولوجيا النهر. ولم يُخفِ الدكتور خالد ياسين أن يكون السبب الثاني هو السبب الحقيقي في انحسار النيل، لأنه كما يقول ستأتي لحظة تكون إدارة سد النهضة الإثيوبية مجبرة فيها على تمرير المياه بعد أن تكون أخذت كفايتها، وفي تلك اللحظة ستنهمر المياه نحو السودان بصورة جنونية مما يتسبب في حدوث فيضانات وسيول عارمة على ضفتي النيل الأزرق ونهر النيل على حد سواء.

وطالب المهندس خالد ياسين بضرورة أن تعمل الحكومة السودانية على الضغط على الحكومة الإثيوبية لتتوقف عن التشغيل المنفرد للسد، أو على أقل تقدير تبادل البيانات مع دولتي المصب والتنسيق معهما ومن ثم تجنب حدوث أي كوارث.

والناظر هذه الأيام لكل من النيل الأزرق أو نهر النيل يشاهد انحسارًا تاريخيًا، أدى إلى ظهور ألسنة رملية وجفاف أجزاء من مجراه حتى أمكن عبورها سيرًا على الأقدام في بعض المناطق. كما توقفت عدد من محطات مياه الشرب في الخرطوم، وواجه مئات الآلاف خطر العطش بعد ابتعاد المياه عن مضخات السحب.

وقد اعترفت الإدارة العامة للخزانات بوزارة الزراعة والري في بيان لها حول الموقف المائي ومناسيب النيل بحدوث انخفاض في مياه النيل الأزرق، لكنها وصفته بالانخفاض “المؤقت” في الوارد اليومي لبحيرة خزان الروصيرص من (207) إلى (129) مليون متر مكعب يوميًا. وفي نفس البيان أكدت أن المناسيب بالمناطق الواقعة شمال الخرطوم لا تزال أعلى من مستوياتها المسجلة خلال العام السابق حتى تاريخ 15 يوليو 2026م.

كما شددت الوزارة على أن انحسار وفيضان مياه النيل وفروعه يُعد ظاهرة طبيعية، إلا أن قيام سد النهضة أدى إلى تغيير في هيدرولوجيا النهر، ويتم التعامل معها من خلال التشغيل الفني للخزانات وإجراء المعالجات التشغيلية اللازمة لضمان استقرار الإمدادات المائية والمحافظة على المناسيب المطلوبة.

فيما كشفت جولة قام بها والي ولاية الخرطوم الأستاذ أحمد عثمان حمزة، يرافقه المدير التنفيذي لمحلية بحري محمد أحمد الحاج، إلى محطة مياه بحري شمال بمنطقة المقرن، عن استمرار انحسار مياه النيل رغم الجهد الكبير الذي بُذل لمعالجة الإطماء قبل يومين من قبل الكوادر الهندسية بالمحطة. كما استمع الوالي إلى تقرير من مدير المحطة عن المشاكل التي تواجه المحطة في ظل توالي انحسار النيل، وتناول الحلول الإسعافية كإزالة الطمي من مجرى طلمبات رفع المياه. ووجه الوالي إدارة المحطة بإعداد مقترحات الحلول الجذرية وتسليمها في أقرب وقت.

فيما اعتبر الدكتور بشير أحمد محيي الدين، المختص في التخطيط الاستراتيجي والدراسات الأمنية، أن الأمر لا يستحق التوقف عنده كثيرًا، لأن الانحسار في مياه النيل الأزرق هو انحسار مرحلي “خصوصًا في أشهر الفيضان”. مضيفًا بأن هناك جهات تعمل في الخفاء وتطرح هذا الموضوع “انحسار النيل” بهذه الكيفية من أجل إحداث قلاقل في هذا الوقت بالذات. وقال الخبير الاستراتيجي: “إن سد النهضة مخصص للكهرباء لا للزراعة، فبالضرورة سوف يتم تمرير المياه من أجل إنتاج الكهرباء”. وهذا يعني عودة جريان المياه إلى مجرى النيل الأزرق كما كانت تجري من قبل.

كما بين الدكتور بشير أحمد محيي الدين أن إثيوبيا تستخدم سد النهضة كسلاح سياسي أكثر منه سلاحًا يهدد الأمن المائي في السودان. ومن خلال وجهة نظره المتضرر الأكبر هي مصر وليس السودان. وفي الوقت نفسه استبعد حدوث جفاف في السودان لأنه يغذيه أكثر من 17 نهرًا، بجانب عدد لا يُحصى من الخيران والأودية الموسمية. مذكرًا بأن إيرادات روافد النيل الأبيض في السودان تفوق إيراد النيل الأزرق.

الجدير بالذكر أن وزارة الزراعة والري أوضحت بأنه توجد لجنة عليا دائمة بإشراف مباشر من وزير الزراعة والري البروفيسور عصمت قرشي، ووكيل الوزارة المهندس ضو البيت عبد الرحمن، وبرئاسة رئيس الجهاز الفني للموارد المائية، وعضوية كل من مدير عام الخزانات، ومدير عام مياه النيل، ومدير عام التخطيط، ومديري الخزانات السودانية، وخبراء التشغيل والنمذجة الهيدرولوجية، والجهات الأمنية ذات الصلة، لمتابعة تطورات الموقف المائي على مدار الساعة، وتقييم المستجدات واتخاذ القرارات التشغيلية المناسبة وفقًا للقراءات والتحليلات الفنية. وتطمئن وزارة الزراعة والري المواطنين والمزارعين بأن الموقف المائي يخضع لرصد ومراقبة مستمرين، وأن تشغيل الخزانات يتم وفق أسس علمية وتشغيلية دقيقة تكفل سلامة المنشآت المائية، وتضمن تأمين الاحتياجات المائية للمواطنين والقطاع الزراعي، بما يحافظ على استقرار الإمداد المائي ودعم نجاح الموسم الزراعي.

إن مأساة فهمي سيد ليست قصة فرد يقف على قارعة الطريق بحثًا عن برميل ماء، بل هي صورة مصغرة لأزمة إدارة الموارد في بلد يجري فيه النيل من جنوبه إلى شماله. فبينما تتضارب التفسيرات بين “انخفاض مؤقت” تبرره الوزارة، و”سلاح سياسي” يراه الخبير الاستراتيجي، و”تشغيل منفرد” يحذر منه الفنيون، يبقى المواطن وحده من يدفع الثمن، 250 ألف جنيه من مرتب لا يتجاوز 350 ألفًا، ولسان حاله يقول(بحر العطاشا نشف نشرب بواقي السيل).

إن انحسار النيل اليوم هو جرس إنذار لا يجب التعامل معه كظاهرة موسمية عابرة. فالتغير في هيدرولوجيا النهر بعد سد النهضة أصبح حقيقة واقعة اعترفت بها الوزارة نفسها. والحلول الإسعافية المتمثلة في إزالة الإطماء لم تعد كافية، والمطلوب الآن هو خطة قومية جذرية تتضمن: تطوير محطات السحب لتتواءم مع المناسيب الجديدة، وفرض رقابة صحية صارمة على تجارة المياه، والأهم، اتفاق ملزم لتبادل البيانات مع إثيوبيا يمنع تحويل حياة السودانيين إلى رهينة لقرارات التشغيل.

فالدولة التي لا تستطيع إيصال الماء لمواطن يسكن على بعد دقائق من النيل، ستجد نفسها قريبًا أمام عطش أكبر، عطش الثقة بينها وبين شعبها.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى