مقالات الرأي

لجنة الأمل للعودة الطوعية.. بين الهوية والهوى.. هل يقتل السودانيون أنجح مبادرة إنسانية بأيديهم؟

احمد عبادة يكتب – لجنة الأمل للعودة الطوعية… بين الهوية والهوى.. هل يقتل السودانيون أنجح مبادرة إنسانية بأيديهم؟

في كل وطن يمر بالمحن، يولد رجال يكتبون التاريخ، ويولد آخرون لا يجيدون سوى التشكيك فيه. وبين هؤلاء وأولئك يقف المواطن البسيط، تائهًا بين الحقيقة والشائعة، وبين الوطنية والمصلحة، وبين الهوية والهوى.

بعد اندلاع الحرب في السودان، خرج ملايين السودانيين من ديارهم، وافترشوا الغربة بحثًا عن الأمان. كان المشهد أكبر من أن تتحمله الحكومات وحدها، فكان لا بد أن يتقدم المجتمع، وأن يخرج رجال آمنوا بأن خدمة الإنسان هي أسمى درجات الوطنية.

ومن هنا ولدت لجنة الأمل للعودة الطوعية، بقيادة المهندس محمد وداعة، والأستاذ عاصم البلال، والأستاذ محمد عباس، والأستاذ حسن، والأستاذ منتصر، ومعهم عشرات المتطوعين الذين عملوا في صمت، بعيدًا عن الأضواء، يحملون همّ آلاف الأسر السودانية التي كانت تحلم فقط بالعودة إلى وطنها.
لم يكن الطريق مفروشًا بالورود، بل بالعقبات والتحديات. ومع ذلك، استطاعت اللجنة أن تطرق أبواب الخير، وأن تجمع رجال الأعمال، والمؤسسات، والخيرين، حتى تبنت جهات عديدة تحمل تكاليف السفر، وكان لديوان عام الزكاة دور بارز في دعم عمليات العودة.

والنتيجة كانت مبهرة بكل المقاييس…

ما يقارب ثلاثة وثلاثين ألف سوداني عادوا إلى وطنهم عبر البر والبحر والجو، في واحدة من أكبر عمليات العودة الطوعية التي شهدها السودان منذ اندلاع الحرب.
هذا الرقم ليس مجرد إحصائية… بل آلاف القصص، وآلاف الدموع التي تحولت إلى ابتسامات، وآلاف الأطفال الذين عادوا إلى أرضهم بعد أن كادوا يفقدون الأمل.
لكن يبدو أن النجاح في بلادنا أصبح تهمة.

فما إن ارتفع اسم لجنة الأمل، حتى بدأت حملات التشكيك، وظهرت اتهامات تتحدث عن وجود مكاسب شخصية وتربح، وتداول البعض روايات مختلفة دون أن تُحسم رسميًا. وفي المقابل، يرى آخرون أن هذه الاتهامات قد تظلم متطوعين أفنوا وقتهم وجهدهم في خدمة الناس.
ومن حق أي مواطن أن يسأل…
من أين تأتي موارد اللجنة؟
وكيف تُدار الأموال؟
ومن يراقب أوجه الصرف؟
وهل توجد لوائح واضحة تنظم العمل؟
هذه ليست أسئلة ضد اللجنة… بل هي أسئلة في مصلحة اللجنة، لأن العمل الوطني الحقيقي لا يخشى الشفافية، بل يزداد قوة بها.
وفي الوقت نفسه، ليس من العدل أن تتحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحات لإصدار الأحكام، أو أن يصبح كل متطوع متهمًا حتى يثبت العكس. فالتشكيك بلا دليل قد يهدم سنوات من العمل، كما أن غياب الشفافية قد يفتح الباب للشكوك. والطريق الصحيح هو التحقيق والبيانات الواضحة، لا الإدانة المسبقة ولا التبرئة المطلقة.
اليوم أصبحت لجنة الأمل حديث الشارع السوداني، وحديث المسؤولين، ووصل ملفها إلى اجتماعات على مستوى رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس، وهذا وحده يؤكد أن المبادرة تجاوزت حدود العمل التطوعي، وأصبحت مشروعًا وطنيًا يمس حياة آلاف المواطنين.
وهنا تبرز المسؤولية الحقيقية…
إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس سقوط أشخاص، وإنما سقوط الفكرة نفسها.
إذا انهارت لجنة الأمل، فمن سيدفع الثمن؟
ليس المهندس محمد وداعة…
ولا عاصم البلال…
ولا محمد عباس…
ولا حسن…
ولا منتصر…
بل سيدفع الثمن ذلك المواطن السوداني الذي ينتظر دوره في العودة إلى وطنه.
ولهذا، فإن المطلوب اليوم ليس هدم اللجنة، وليس تقديسها، وإنما بناء مؤسسة.
مؤسسة لها مجلس إدارة واضح، ولوائح معلنة، وتقارير مالية دورية، ومراجعة مستقلة، وتداول للمسؤوليات، حتى تبقى الفكرة أكبر من الأشخاص، وحتى لا ترتبط أي مبادرة وطنية باسم فرد مهما كان عطاؤه.
إن السودان لا يعاني اليوم من نقص في المبادرات، بل من غياب الاستدامة. كثير من المبادرات تبدأ قوية، ثم تنهار عندما تتحول إلى صراعات شخصية، أو عندما تغيب الحوكمة، أو عندما يختلط حب الوطن بحب الظهور.
ولذلك، فإن الحفاظ على لجنة الأمل مسؤولية الجميع؛ القائمين عليها، والداعمين لها، ومنتقديها أيضًا. فالنقد الصادق يبني، أما الاتهام بلا بينة فيهدم، والشفافية تحمي أي عمل وطني من الشائعات.

ويبقى السؤال الذي يجب أن يجيب عنه كل سوداني:
هل نريد أن ننتصر للوطن… أم ننتصر للأشخاص؟
فإذا كانت الغاية هي السودان، فلتكن الحقيقة هي الفيصل، ولتكن الشفافية هي الحَكَم، ولتبقَ مصلحة المواطن فوق كل اعتبار.
لأن الأوطان لا تُبنى بالهوى… وإنما تُبنى بالهوية، والإخلاص، والعمل، والصدق.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى