
متابعات – نبض السودان
استقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نظيره الأميركي دونالد ترامب لدى وصوله إلى أنقرة للمشاركة في قمة حلف شمال الأطلسي التي تنعقد في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ الحلف، حيث تتصدر ملفات رفع الإنفاق الدفاعي والدعم العسكري لأوكرانيا جدول الأعمال، إلى جانب نقاشات أوسع حول مستقبل الناتو نفسه. وتأتي القمة في ظل ضغوط أميركية متزايدة لتقليص الدور العسكري لواشنطن في أوروبا، مقابل مطالبات بأن تتحمل الدول الأوروبية مسؤولية أكبر عن أمنها الجماعي، وهو ما دفع إدارة ترامب إلى الدفع بتصور «الناتو 3.0» لإعادة هندسة قواعد التحالف على أساس «تقاسم الأعباء».
وفي هذا السياق، تسعى الحكومات الأوروبية إلى ضمان انتقال سلس نحو الصيغة الجديدة للحلف، عبر سد الفراغات التي قد يتركها الانسحاب الأميركي التدريجي، بما يقلل من هشاشة أوروبا في مواجهة روسيا. ويحاول الأمين العام للناتو مارك روته السير على خيط دقيق، إذ يدفع الدول الأوروبية إلى زيادة إنفاقها الدفاعي، مع الحرص على ألا يدفع ذلك واشنطن إلى التخلي عن الحلف. وتأتي هذه الجهود في ظل انتقادات متكررة من ترامب للحلف، واعتباره أن الولايات المتحدة تتحمل العبء الأكبر من النفقات الدفاعية، فيما كشفت مصادر أن واشنطن ستخفض عدد مقاتلاتها المخصصة للناتو بمقدار الثلث.
وتعزز الإدارة الأميركية توجهها نحو «الناتو 3.0» عبر إعادة توجيه مواردها العسكرية نحو أولويات استراتيجية أخرى، وفي مقدمتها مواجهة الصين وتعزيز حضورها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وأكد وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث أن المرحلة الجديدة للحلف تمثل عودة إلى «تحالف عسكري صارم» يمتلك قدرات ردع حقيقية في أوروبا، مشيرًا إلى أن ميزانية الدفاع الأميركية لعام 2027 ستبلغ 1.5 تريليون دولار، بما يعزز قوة الحلف رغم تركيز واشنطن على مصالحها الاستراتيجية.
وفي مقال نشرته «واشنطن بوست»، شدد روته على أن أوروبا بدأت بالفعل في تحمل مسؤوليات أكبر داخل الحلف، معتبرًا أن «الناتو 3.0» أصبح واقعًا، وأن أوروبا أقوى داخل ناتو أقوى. وأشار إلى أن الدول الأعضاء قدمت خططًا للاستثمار بما يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي في الدفاع بحلول 2035، وأن الإنفاق الدفاعي الأوروبي ارتفع بنحو 20% خلال العام الماضي.
وفي تفسير التحولات الجارية، أوضح وزير الخارجية البولندي رادوسواف سيكورسكي أن «الناتو 1.0» كان يقوم على ردع الاتحاد السوفيتي، بينما مثل «الناتو 2.0» مرحلة ما بعد الحرب الباردة وتوسع الحلف نحو مكافحة الإرهاب. أما اليوم، فإن الحرب الروسية على أوكرانيا وتصاعد النفوذ الصيني يدفعان نحو نموذج جديد يعيد توزيع الأدوار داخل الحلف. واعتبر نائب الأمين العام المساعد السابق للناتو جيمي شيا أن الانتقادات الأميركية المتكررة لمستوى مساهمة الحلفاء الأوروبيين تشير بوضوح إلى أن الحلف يتجه نحو نموذج تتحمل فيه أوروبا مسؤولية أكبر عن أمنها، مقابل انحسار تدريجي للدور الأميركي، مع استمرار واشنطن في الاحتفاظ بقدرات مؤثرة داخل أوروبا لدعم منظومة الدفاع الجماعي.








