
متابعات- نبض السودان
في خضم استمرار الحرب التي اندلعت في السودان منذ أبريل 2023 وما زالت تدمر البلاد وتنهك الشعب، تتصاعد وتيرة التحركات الدبلوماسية الدولية في محاولات حثيثة لإيجاد مخرج للأزمة.
وفي الوقت الذي تتعثر فيه المفاوضات الرسمية، تطفو إلى السطح أخبار عن لقاءات سرية تجري في مدن أوروبية، لعل أبرزها تلك التي احتضنتها جنيف وزيورخ السويسريتين، حيث تحولت إلى مسرح لاجتماعات مكثفة بين أطراف النزاع السوداني والمبعوث الأميركي مسعد بولس.
لقاء البرهان بمستشار الرئيس الأمريكي
وفق ما أكدته وكالة الأنباء الفرنسية ومصادر دبلوماسية، شهدت مدينة زيورخ السويسرية لقاء مطولاً استمر نحو ثلاث ساعات بين رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش السوداني، ومسعد بولس مستشار الرئيس الأمريكي.
اللقاء، الذي جرى بعيداً عن الأضواء، ركّز على مقترح أمريكي شامل لوقف إطلاق النار وتوسيع الممرات الإنسانية أمام ملايين السودانيين المتضررين من الحرب.
وخلال المحادثات شدد البرهان على رفضه القاطع لأي محاولة تمنح قوات الدعم السريع شرعية سياسية، مؤكداً أن الحل المنشود يجب أن يوقف النزاع ويعيد مؤسسات الدولة للعمل، بينما التزمت واشنطن الصمت ولم تكشف تفاصيل دقيقة حول مخرجات اللقاء
حميدتي يحط في جنيف
بعد ساعات قليلة من مغادرة البرهان، رصدت برامج تتبع الطائرات رحلة خاصة لطائرة من طراز بوينغ 737–7JZ BBJ تابعة لشركة “رويال جت” الإماراتية، سبق أن استُخدمت من قبل محمد حمدان دقلو “حميدتي”.
الطائرة أقلعت من أبوظبي متوجهة إلى جنيف ثم عادت لاحقاً، حيث أكدت مصادر استخباراتية أن حميدتي كان على متنها.
الرحلة لم تكن مجرد زيارة عابرة، بل حملت هدفاً معلناً وغير معلن، يتمثل في لقاء مسعد بولس نفسه، مما عكس بوضوح أن واشنطن تدير مسارات متوازية مع طرفي النزاع، مستخدمة القناة الإماراتية لتسهيل تحركات حميدتي، والترتيب الأممي والدبلوماسي في حالة البرهان
حضور ممثل عن “صمود” مع حميدتي
اللافت في هذه الزيارة أن أحد المسؤولين في تحالف “صمود”، الذي يتزعمه رئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك، التحق بحميدتي لاحقاً خلال اجتماعه مع المبعوث الأميركي.
هذه الخطوة أثارت تساؤلات كبيرة حول دور هذا التحالف السياسي وعلاقاته المباشرة بقوات الدعم السريع، خاصة في ظل ما يُتهم به من كونه مجرد غطاء مدني يمنح المليشيا شرعية دولية وواجهة سياسية تقبل بها العواصم الغربية
رسائل مزدوجة من واشنطن
المتابعون للشأن السوداني اعتبروا أن تزامن اللقاءين – رغم انعقادهما بشكل منفصل – ليس وليد الصدفة، بل يمثل جزءاً من استراتيجية أميركية تهدف للضغط على الطرفين للقبول بصفقة سياسية.
غير أن اللقاء غير المباشر مع حميدتي، في ظل مرافقة ممثل عن “صمود”، أعطى انطباعاً بأن الولايات المتحدة لا تزال ترى في قائد الدعم السريع شريكاً محتملاً في أي تسوية، رغم إداناتها العلنية للانتهاكات التي ارتكبتها قواته.
“صمود” كواجهة سياسية للدعم السريع
يرى محللون أن وجود ممثل “صمود” مع حميدتي يعزز فرضية أن التحالف هو في جوهره واجهة سياسية مركبة تمنح قوات الدعم السريع غطاءً مدنياً ومشروعية دولية.
ويضيف المراقبون أن الدعم الغربي الممنوح لعبد الله حمدوك وتحالفه يعكس في حقيقة الأمر دعماً غير مباشر لحميدتي، بحكم الارتباط بين الطرفين، وهو ما يكشف تناقضاً في الموقف الغربي الذي يرفع شعارات الديمقراطية والحقوق من جهة، ويمد جسور التواصل مع قائد مليشيا متهمة بارتكاب فظائع من جهة أخرى.
تصدعات داخلية تزيد المشهد تعقيداً
يأتي هذا التطور في وقت يعاني فيه تحالف “صمود” من انقسامات داخلية بارزة، حيث علق “التيار الثوري” مشاركته، وسط انتقادات واسعة بوصف التحالف مجرد غطاء سياسي للدعم السريع.
هذه التصدعات تقلل من فرصه في لعب دور موحد، لكنها في الوقت ذاته لا تمنع الغرب من التعاطي معه كمنصة سياسية يمكن أن تُستخدم لتسويق أي اتفاق محتمل.
قراءة في المشهد العام
تؤكد هذه التحركات المزدوجة أن المشهد السوداني يزداد تعقيداً مع انخراط تحالفات مدنية في ترتيبات تصب في مصلحة أحد أطراف الصراع المسلح. فبينما يسعى البرهان لإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، يتحرك حميدتي ومعه واجهة مدنية تحت مسمى “صمود”، ليكسب أرضية إضافية على طاولة التفاوض.
ويبقى السؤال الأبرز: هل تمهد هذه اللقاءات السرية لتسوية حقيقية توقف نزيف الحرب، أم أنها مجرد تكتيكات مرحلية تزيد من تعقيد الأزمة؟.










