بقلم : جمال دياب
حين تلتقي أصالة الحواضر العلمية الكبرى برؤى المؤسسات البحثية المعاصرة، يتجاوز الاحتفاء بالمناسبات الدينية حدود الاستذكار التقليدي ليدخل فضاء التأسيس المعرفي. هذا ما تجسّد جلياً في المؤتمر الدولي الأول المعنون بـ “مشكاة النبوة”، الذي احتضنته مدينة النجف الأشرف احتفاءً بذكرى المولد النبوي الشريف؛ في شراكة استراتيجية رائدة بين المعهد الاسكندنافي للدراسات والبحوث والأمانة العامة لمسجد الكوفة المعظم.
ثنائية الجغرافيا والفكر ▪︎▪︎ مد الجسور العابرة للقارات
لم يكن المؤتمر مجرد محفل عابر، بل مثّل منصة حوارية عابرة للقارات والحدود الفكرية وقد تجلت هذه الرؤية في القيادة المعرفية المتميزة لإدارة المعهد الاسكندنافي، بقيادة رئيسه الدكتور قيصر الكوفي، ومديره التنفيذي الدكتور رأفت الأسدي، اللذين قدّما مقاربة أكاديمية تسعى لربط الفكر الإسلامي بالدوائر البحثية الغربية وتأكيداً على هذه الصبغة الدولية والأبعاد العالمية للمؤتمر، شهدت الجلسات مشاركة نوعية من الدكتور حامد الربيعي، رئيس الجمعية الثقافية في ألمانيا، الذي شدّ الرحال خصيصاً من أوروبا ليثري المحفل بقراءات فكرية واكبت تطلعات الجاليات المسلمة في الغرب.
حوارات النخبة
في ضيافة الفقه والوعي الحضاري وعلى هامش الجلسات العلمية الزاخرة، اتسع أفق النقاش عبر لقاءات فكرية رفيعة المستوى جمعتني بقامات علمية عراقية وعربية بل ودولية وازنة كان في مقدمة هذه اللقاءات حوارٌ ممتد مع العلامة سماحة السيد رياض الحكيم وشقيقه سماحة السيد عز الدين الحكيم؛ حيث تمحور النقاش حول كيفية تفكيك الخطاب النبوي وإعادة إنتاجه بلغة العصر، والانتقال بقيم السيرة من المدونات التاريخية الصرفة إلى ميادين التطبيق الاجتماعي والتعايش الإنساني والتعايش بين المذاهب المختلفة
منبر المشاركة: صياغة المنهج السلوكي لـ “المشكاة”
وفي سياق هذا الحراك الأكاديمي، شرفتُ بإلقاء كلمة رئيسية أمام حشد من العلماء والباحثين، حاولتُ من خلالها مقاربة مفهوم “مشكاة النبوة” كمنظومة أخلاقية وتنموية متكاملة لبناء الإنسان المعاصر وقد ركّزت الكلمة على تفكيك أزمات الهوية والقيم في ظل العولمة، وطرح المنهج المحمدي كطوق نجاة يعزز التعددية ويحمي الكرامة البشرية وقد حظيت هذه الأطروحة بفضل الله بإشادات واسعة وثناء كريم من رئيس المعهد الدكتور قيصر الكوفي، والمدير التنفيذي الدكتور رأفت الأسدي، والعلماء الأجلاء الحاضرين، الذين أكدوا على ضرورة تحويل هذه الأفكار إلى برامج عمل ومشاريع بحثية مستدامة.
خاتمة واستشراف: الكوفة العظيمة والنجف الشريف منارات لا تنطفئ
إن نجاح مؤتمر “مشكاة النبوة” يبعث برسالة واضحة مفادها أن النجف الأشرف والكوفة المعظمة ستبقيان -بالتعاون مع المؤسسات الدولية كالمعهد الاسكندنافي- عاصمتين إنسانيتين لتوليد الأفكار، ونشر قيم الرحمة العقلانية، وصناعة السلام العالمي المستند إلى الإرث النبوي الخالد.











