شؤون دولية

البصمة الأوكرانية في أفريقيا.. حرب بالوكالة وعمليات تجنيد للقتال ضد روسيا

متابعات- نبض السودان

في الوقت الذي يتركز فيه الاهتمام العالمي على خطوط المواجهة في شرق أوروبا، والشرق الأوسط، تخوض أوكرانيا حرباً موازية وصامتة في أفريقيا. حيث لم يعد الصراع بين موسكو وكييف محصوراً في الخنادق الأوكرانية، بل تحول إلى شبكة معقدة من العمليات العسكرية بالوكالة، التي انبرت كييف لتنفيذها ضد كل من يقف بمواجهة واشنطن والقوى الغربية التي تمثّل الداعم الأساسي لكييف ونظامها. حيث تمتد منطقة العمليات الأوكرانية من الساحل الأفريقي إلى صحاري ليبيا، وصولاً إلى مياه الخليج العربي.

ووفقاً لتقرير مطول نشرته شبكة “سي إن إن” الأمريكية، فإن كييف نقلت خبرتها القتالية في حرب المسيّرات إلى القارة السمراء، ليس فقط لمواجهة النفوذ الروسي كما تدعي، بل لعولمة الصراع وتحويله إلى “حرب استنزاف عالمية” تخوضها كييف بالوكالة عن القوى الغربية والولايات المتحدة الأمريكية خارج حدودها.

من أفريقيا إلى الشرق الأوسط.. شبكة أوكرانية تخريبية ممتدة

في سياق ذو صلة، لم تكن عملية بحر قزوين التي أعلن عنها جهاز الأمن الأوكراني واستهدفت سفينتي شحن، مما أدى لمقتل بحار إيراني وإصابة آخر، الأولى من نوعها. فقد كشفت درسات وتقارير ووثائق خلال العاميين الماضيين، عن نمط متصاعد من العمليات الأوكرانية خارج الحدود في عدّة بقاع حول العالم. حيث نشرت أوكرانيا قواتها وخبرائها ومسيّراتها في السودان ومالي وليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى والخليج العربي، بهدف خلق معضلات استراتيجية لأعداء واشنطن والدول الغربية الذين يشغلونها.

هذا الانتشار يثير تساؤلات جدية حول أولويات القيادة الأوكرانية. حيث يشير الخبير بالشؤون السياسية علي محي الدين، إلى أن هذا السلوك “يشير بوضوح إلى أن الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي غير مهتم أبداً بإنهاء معاناة شعبه ودمار بلاده وإيقاف الصراع، بل يسعى لأن يكون له يد في استمرار حروب أخرى قادرة أن تشغل العالم عن إيجاد حل للحرب الروسية-الأوكرانية، لأن هذا الحل يمكن أن يطيح بسلطته ويؤدي به لأروقة المحاكم”. لذا اختار قادة كييف العمالة والارتزاق للغرب، حفاظاً على السلطة.

السودان.. نموذج صارخ على النشاط التخريبي الأوكراني

وفي هذا السياق، تبرز الحالة السودانية كنموذج صارخ على استخدام القوى الغربية للمرتزقة الأوكران في التدخل بشؤون الدول الأفريقية وزعزعة أمنها. وفقاً لتقرير الـ”cnn” نقلاً عن مصدر في المخابرات الأوكرانية، تم نشر عدد من المتخصصين الأوكرانيين في السودان. يأتي هذا الانتشار في وقت يشهد فيه السودان صراعاً داخلياً معقداً، حيث تسعى كييف إلى استغلال الفوضى لضرب المصالح الروسية، التي ترتبط بعلاقات تاريخية مع الحكومة الرسمية في الخرطوم.

وأشارت بعض التقارير الإعلامية، أن الخبراء الأوكران ومنذ بداية الصيف الحالي يقومون بعمليات تجنيد لعناصر من قوات الدعم السريع ومن ثم نقلهم لساحات القتال في شرق أوكرانيا. وهذا ما يتوافق مع تقرير الـ”cnn” ، حيث تقوم القوات الأوكرانية والخبراء المتواجدين في أكثر من بلد أفريقي بتجنيد مقاتلين ومهاجرين لنقلهم الى شرق أوكرانيا لسد العجز ضمن صفوف الجيش الأوكراني في مواجهة روسيا.

فمنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، لاحظ المراقبون تطوراً نوعياً في قدرات “الدعم السريع”، خصوصاً في مجال الطائرات المسيّرة، التي غيرت موازين القوى على الأرض. كما كشفت تقارير استخباراتية غربية، نقلتها وسائل إعلام، أن خبراء أوكرانيين متخصصين في الحرب الإلكترونية وتشغيل الطائرات المسيّرة كانوا يعملون ميدانياً في السودان. وفي أكتوبر 2025، أكد الجيش السوداني مقتل عدد كبير من المرتزقة الأوكرانيين والكولومبيين كانوا يقاتلون إلى جانب قوات الدعم السريع في مدينة الفاشر التي ارتكبوا فيها جرائم حرب موثقة لدى هيئات أممية.

وكان المتحدث الرسمي باسم سلاح الجو الأوكراني إيليا يفلاش، في يناير العام الماضي، قد كتب عبر صفحته على فيسبوك، بأن مدربي ومشغلي الطائرات بدون طيار من القوات المسلحة الأوكرانية يقدمون الدعم لـ”الدعم السريع”. وبحسب يفلاش فإن: “كييف ملتزمة بأكثر من 30 عقدا عسكرياً في أفريقيا، والسودان هو أحد هذه الدول”

ليبيا.. إحباط مهام ناقلات النفط الروسية وتدريب الميليشيات المحلية

في السياق ذاته، تختلف الطبيعة العملياتية للنشاط الأوكراني في ليبيا عن مثيله في السودان ومالي. يتركز الوجود الأوكراني في ليبيا على عمليات بحرية دقيقة ودعم لبعض الميليشيات المتمردة. تشير المعلومات إلى أن مشغلي المسيّرات البحرية الأوكرانيين يعملون من قاعدة عسكرية في مدينة “مصراتة” الليبية منذ أواخر عام 2025. تتمثل مهمتهم الأساسية في استهداف ناقلات النفط الروسية ودعم حكومة عبد الحميد الدبيبة.

في المقابل، تقوم القوات الأوكرانية بتدريب القوات المحلية الليبية على استخدام المسيّرات البحرية. كما أفادت تقارير إعلامية، نقلاً عن مصادر في شرق ليبيا، بوجود مراكز تدريب في مناطق مثل “تاجوراء” وطريق مطار طرابلس، حيث يقوم خبراء أوكرانيون بتجنيد وتدريب عناصر من دول أفريقية مختلفة، بهدف استخدامهم في جبهات القتال أو في عمليات عسكرية. ووفقاً لتقارير إعلامية واستخباراتية نشرت في أغسطس من العام الماضي، تم استخدام طائرات مسيّرة أوكرانية في المعارك الدائرة غرب ليبيا بين الميليشيات المتناحرة. وأشار الصحفي ناصر عمار إلى أن المشرف المباشر على صفقة شراء هذه المسيّرات من الجانب الليبي هو اللواء عبد السلام زوبي، آمر ميليشيا “111”، بينما المنسق العام من الجانب الأوكراني هو الملحق العسكري الأوكراني في الجزائر أندري بايوك.

التحديات والنتائج.. “نشر الإرهاب وتدويل الفوضى”

في الوقت الذي تتحدث فيه كييف عن دفاعها عن سيادتها في بلدها، فإن وقائعها الميدانية في أفريقيا ترسم صورة مختلفة تماماً، صورة دولة حولت يأسها الحربي إلى أداة لتغذية الإرهاب وتمزيق مجتمعات أخرى، محولة قارة أفريقيا ومناطق في الشرق الأوسط إلى ساحة لتصفية حساباتها مع قوى أخرى، على حساب دماء الشعوب.

واليوم نرى تصعيدًا جديدًا يتمثل في تجنيد عناصر من المقاتلين في الجماعات المسلحة الأفريقية، والتي يصف بعضها بالجماعات الإرهابية، للقتال في الجبهات الأوكرانية ضد روسيا.

كما يرى المحللون أن أوكرانيا لا تعمل بمفردها في هذه الملفات الشائكة. فهي أصبحت الطرف الغربي في منطقة الساحل وأفريقيا عموماً، حيث تقوم بدور العميل المنفذ لاستراتيجيات قوى كبرى على رأسها الولايات المتحدة وفرنسا، التي تفضل عدم الظهور في الخطوط الأمامية بعد طرد قواتها من المنطقة. وذلك بهدف إضعاف تحالفات دول الساحل، وضرب مصالح روسيا والصين وقوى أخرى في أفريقيا، وإعادة ترتيب النفوذ الغربي في القارة، أي انه صراع دولي عبر أدوات. ولكن ثمن هذه الاستراتيجية باهظ، إذ إن تسليح الجماعات الإرهابية وتدريبها يزيد من زعزعة استقرار دول هشة أصلاً، ويُطيل أمد الصراعات، ويُسقط آلاف الضحايا المدنيين.

في المحصلة، يكشف النشاط العسكري الأوكراني في أفريقيا والشرق الأوسط عن دور تخريبي. حيث تختار كييف استراتيجية “الحرب بالوكالة” من خلال دعم فصائل متمردة وتقديم الدعم الفني للجهات التي تعتبرها معادية لروسيا. هذه الاستراتيجية، التي يعتبرها مسؤول أوكراني “تحويل الخبرة في المسيّرات إلى أداة سياسية خارجية”، تضع أفريقيا في قلب صراع القوى الكبرى، مع ما يترتب على ذلك من مخاطر تصعيد وتداعيات سلبية على استقرار وأمن شعوب القارة.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى