مقالات الرأي

عبدالباقي جبارة يكتب.. هل أنا متهم هارب ؟!

عبدالباقي جبارة ..يكتب ..’ فزع الحروف ‘ .. هل أنا متهم هارب ؟!

للحقيقة والتاريخ، ما كنت أود التعليق على الإعلان الصادر بحقي من وكيل نيابة أعلى ولاية البحر الأحمر، باعتباري متهمًا هاربًا ضمن (47) من الزملاء والزميلات، رغم أن ما ظهر حتى الآن لا يتجاوز (17) إعلانًا، من بينها اسمي. غير أن اتصالات الأعزاء من الزملاء والأصدقاء والأهل، ما بين مشفق ومستفسر، جعلتني أرى أنه لا بد من توجيه التحية والتقدير لهم، مع خالص الشكر والامتنان. فموقفهم يؤكد أن شعبنا يدرك قيمة ما نقوم به، وأننا لسنا وحدنا.

النقطة الأهم هي أن أي مسلك قانوني يجب أن يُحترم، كما ينبغي أن تظل المؤسسات العدلية محل احترام، وأن تكون قراراتها واجبة النفاذ. غير أن موضع الانتقاد هو البيئة التي تعمل فيها هذه المؤسسات، وهي بيئة حرب تُستخدم فيها القوانين ومؤسسات العدالة ، شأنها شأن أدوات المعركة الأخرى، ابتداءً من القانون الذي تنفذه النيابة . فقانون جرائم المعلوماتية، على سبيل المثال، وضعته سلطة انتزعت الحكم بالبندقية، ولم يضعه مشرّع مفوض من الشعب. لذلك، فإن قضيتنا ليست مع وكيل النيابة الذي وُضع أمامه هذا القانون وطُلب منه تنفيذه، وليست كذلك مع الشاكي، بغض النظر عن عدالة قضيته.

وحتى إذا رأت جهة قانونية أن النيابة ارتكبت تجاوزات قانونية دفعتها إلى سابقة تاريخية تستحق أن تُدرج في موسوعة غينيس، فإن ذلك لا يستبعد استفادة السلطة الحاكمة من قضية موظف لتكميم أفواه عشرات الصحفيين. وقطعًا، فإن هذا المسلك لا يخدم مجرد مصلحة شخصية لموظف يرى أنه قد ظُلم، والدليل على ذلك أن مجرد إعلان صادر من وكيل نيابة أصبح يعبر عن سياسة الحكومة تجاه الإعلام.

وعلى كل حال، فإن المؤكد على المستوى الشخصي أنني لست هاربًا، والدليل القاطع أنني خارج السودان منذ ما يقارب ثلاث سنوات، بينما صدر الإعلان الذي وصفني بـ”المتهم الهارب” قبل يومين فقط. ولم يصلني قبل ذلك أي إخطار أو تكليف بالحضور، بل إنني لم أسمع بهذه القضية من قبل، وحتى ما أُثير بشأن موضوع البلاغ لم أتذكره إلا من خلال أحاديث الرأي العام. ويقال إن البلاغ مضى عليه نحو عام، وفي ظل قانون الصحافة والمطبوعات كانت المؤسسات الصحفية تحتفظ بالمستندات المتعلقة بأي مادة منشورة لمدة شهرين على الأقل، لكننا لا نعلم حدود ومتطلبات قانون جرائم المعلوماتية. والحقيقة أن سوابق تطبيقه توحي بأنه يعاملنا، نحن الصحفيين، كما لو كنا نصابين أو لصوصًا.

ومع ذلك، فإن الامتثال للنيابة، ومناهضة هذا القانون، موضوعان منفصلان.

والحقيقة أنني الآن بالفعل هارب، لكن ليس من هذا البلاغ، وإنما من ويلات الحرب وإفرازاتها، ومن عدم قناعتي بالسرديات والمبررات التي سيقت لاندلاعها. ولم يكن ذلك موقفًا سلبيًا أو هروبًا من أجل الحماية الذاتية فحسب، بل سخرنا خبراتنا وعلاقاتنا لنكون صوتًا لمن لا صوت لهم، ومن أجل إسكات صوت البنادق، وإقامة دولة المؤسسات والحرية والسلام والعدالة.

ونؤكد أننا لسنا فوق القانون، وأننا على استعداد للمثول أمام هذه النيابة وغيرها، فور انجلاء أزمتنا الحقيقية، وزوال الأسباب التي دفعتنا إلى مغادرة الوطن. وبالتأكيد، فإن وجودنا خارج السودان ليس نزهة، بل إن كل ساعة تمر علينا بعيدًا عن وطننا تمثل ثمنًا باهظًا ندفعه مقابل مواقفنا وقناعاتنا التي لا نساوم عليها.

التحية والتقدير لكل المؤمنين بعدالة قضيتنا، وعدالة قضية شعبنا.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى