
متابعات – نبض السودان
تتزايد الأسئلة حول ما إذا كان ما يظهر على منصات التواصل الاجتماعي من توتر بين السودانيين والمصريين يعكس حقيقة العلاقات التاريخية بين الشعبين، أم أنه نتاج حملات منظمة تستهدف ضرب الروابط الممتدة عبر الجغرافيا والتاريخ.
وفي هذا السياق، قدّمت الدكتورة أماني الطويل، الخبيرة في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، رؤيتها لـ“مداميك” حول طبيعة الفجوة المتداولة، محددة الأطراف المحلية والإقليمية والدولية المستفيدة من إضعاف العلاقات المصرية السودانية، ومفسرة الخلفيات التاريخية والسياسية التي تحكم هذا الملف المعقد.
وأكدت الطويل أن ما يُتداول على وسائل التواصل الاجتماعي لا يعكس الواقع، مشيرة إلى أن أكثر من 99.5% من السودانيين في مصر يعيشون حياتهم بصورة طبيعية، باستثناء الحالات المرتبطة بالملاحقة القانونية بسبب الأوراق الثبوتية، وأن الحديث عن عنصرية أو تنمر هو حديث مبالغ فيه ولا يمثل سوى حالات محدودة للغاية.
وكشفت أن منصة “ما تصدقش” المصرية تتبعت الحسابات التي تبث خطابًا معاديًا للسودانيين، وتبين أنها حسابات إلكترونية مبرمجة، ما يؤكد وجود فجوة كبيرة بين الواقع وما يُصنع على المنصات.
وفي تحليلها لأصحاب المصلحة في ضرب العلاقات الشعبية، أوضحت الطويل أن هناك لأول مرة أطرافًا سودانية مستفيدة من تأزيم العلاقة، وعلى رأسها مليشيا الدعم السريع، التي تتبنى خطابًا سياسيًا معاديًا لمصر، بينما تتخذ القاهرة موقفًا واضحًا بعدم الاعتراف بالمليشيا أو بأي مشروع لتجزئة السودان، إلى جانب سعيها لتقليص قدراتها العسكرية، خاصة أن مناطق انتشار الدعم السريع متاخمة للحدود المصرية. وأضافت أن بعض النخب السودانية تخلط بين مواقف الأنظمة السياسية ومواقف الدولة المصرية، وهو خطأ تاريخي يتجاهل أن الأنظمة زائلة بينما تبقى العلاقات بين الشعبين والدولتين.
وعلى المستوى الإقليمي والدولي، أشارت الطويل إلى أن القوى الكبرى تاريخيًا كانت مستفيدة من إضعاف العلاقة بين البلدين، بدءًا من بريطانيا التي هندست التفاعلات بين مصر والسودان منذ أربعينات القرن الماضي لمنع وحدة وادي النيل، وهو إرث تبنته الدبلوماسيات الغربية لاحقًا.
أما في الوقت الراهن، فتبرز إسرائيل كطرف تاريخي يعمل وفق استراتيجية “شد الأطراف”، عبر افتعال الأزمات في محيط مصر الجنوبي الممتد من السودان إلى القرن الإفريقي، وهو ما يفسر دعمها لإثيوبيا في ملف سد النهضة.
كما أن إثيوبيا نفسها تمثل طرفًا معاديًا لمصر في سياق الصراع على المياه، وتتبنى ذهنية سياسية تسعى لعزل القاهرة عن محيطها الإفريقي. وتضاف إلى ذلك أطراف خليجية مرتبطة بالصراع على الموارد، خاصة في ظل امتلاك السودان موارد طبيعية وموانئ استراتيجية على البحر الأحمر، ما خلق تناقضًا في المصالح بين دول تؤيد الجيش وأخرى تدعم الدعم السريع.
وتؤكد الطويل أن أي مشروع للتكامل المصري السوداني يمثل كتلة جيوسياسية ذات وزن كبير في الإقليم، وهو ما يدفع أطرافًا متعددة إلى محاولة ضربه. أما على المستوى المحلي، فتشير إلى وجود سوء فهم تاريخي بين المكونات المدنية السودانية والدولة المصرية، وغياب إجراءات بناء الثقة بين الطرفين، ما جعل العلاقة عرضة للتأويلات والشكوك.
وفي ما يتعلق بخطاب الكراهية، ترى الطويل أنه محدود وغير مؤثر، موضحة أن مصر تحملت منذ 2011 موجات لجوء عربية كبيرة، وكان السودانيون آخر الوافدين بسبب الحرب، ما جعل بعض الضغوط الاقتصادية والخدمية تُحمّل على وجودهم، رغم أن نسبة الرفض تبقى ضئيلة وغير معبرة عن المزاج العام للمجتمع المصري.
وتخلص الطويل إلى أن ما يجري على المنصات لا يمثل حقيقة العلاقات بين الشعبين، وأن هناك أطرافًا منظمة تستثمر في الحرب السودانية وموجات النزوح لإشعال الفتنة، بينما تبقى الروابط التاريخية والثقافية والاجتماعية بين مصر والسودان أعمق من أن تهزها حملات إلكترونية أو مواقف سياسية ظرفية.











