اخبار السودان

ستارلينك والاستخدام العسكري: عندما تصبح التكنولوجيا شريكاً في الجرائم

خاص – نبض السودان

في زمن تتداخل فيه التكنولوجيا مع شؤون الحروب، تبرز شركة “ستارلينك” التابعة لإيلون ماسك كنموذج صارخ للازدواجية الخطيرة التي يمكن أن تصل إليها أدوات العصر الرقمي. فما كان في الأساس مشروعاً طموحاً لتوفير الإنترنت في المناطق النائية، تحول إلى سلاح ذي حدين، بل إلى أداة عسكرية تُستخدم في صراعات دموية حول العالم. وفي السودان، حيث تدور رحى حرب أهلية مدمرة منذ أبريل 2023، تحولت ستارلينك إلى شريك غير مباشر في جرائم حرب تتهم بها قوات الدعم السريع، في مشهد يطرح أسئلة أخلاقية وقانونية عميقة حول مسؤولية شركات التكنولوجيا العملاقة.

ستارلينك في السودان.. إنترنت للحرب لا للسلام

منذ اندلاع الحرب في السودان، سعت قوات الدعم السريع إلى تعطيل شركات الاتصالات العاملة في المناطق التي تسيطر عليها القوات المسلحة السودانية، بهدف شل البنية التحتية الاقتصادية وتعطيل الاتصالات الاستخباراتية. وفي المقابل، احتاجت الميليشيا إلى مصدر بديل للإنترنت لتنسيق عملياتها العسكرية، وتنفيذ هجمات بالطائرات المسيرة، والوصول إلى نظام مالي رقمي متزايد الأهمية لعناصرها. وجاءت ستارلينك لتسد هذا الفراغ بكفاءة، وأثبتت أنها وسيلة اتصال مستقلة وفعالة خارج سيطرة الخصوم.

لم تقتصر الأمور على مجرد الاستخدام، بل أصبحت الميليشيا المستورد الأساسي لأجهزة ستارلينك، حيث رخصت استخدامها المدني في أكثر من سبع ولايات، وفرضت ضرائب عليها وراقبتها. وعلى مدى ثلاث سنوات، تحولت ستارلينك إلى شريان حياة للملايين من المدنيين المحاصرين في مناطق الحرب، لكنها في الوقت نفسه أصبحت القوة التي تمكن الحرب التي تهدد حياتهم.

والأكثر إثارة للقلق أن استخدام ستارلينك من قبل قوات الدعم السريع يمثل انتهاكاً صريحاً لشروط خدمة الشركة نفسها، التي تنص على أن الخدمة “لا تسمح بالاستخدام العسكري الهجومي، لأنها نظام مدني تجاري”. فكيف لشركة تدعي الالتزام بالاستخدام السلمي أن تسمح بتمرير إشاراتها إلى ميليشيا تتهم بارتكاب مجازر ضد الإنسانية وجرائم حرب؟

الذكاء الاصطناعي.. عندما تصبح الأخطاء دموية

تتضاعف خطورة استخدام ستارلينك في السودان عندما ندرك أنها لا تقتصر على توفير الاتصالات فحسب، بل تمثل العمود الفقري لأنظمة تسليح تعتمد على الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف. وهنا تبرز مشكلة أخرى: فأنظمة الذكاء الاصطناعي المستخدمة في المجال العسكري لا تزال غير مكتملة، وتعتمد في كثير من الأحيان على قواعد بيانات قديمة، مما يؤدي إلى أخطاء فادحة في تحديد الأهداف.

والنتيجة؟ تحول الأهداف المدنية إلى أهداف عسكرية في نظر هذه الأنظمة. ففي السودان، تعرضت المستشفيات للقصف بالطائرات المسيرة المسلحة سبع مرات بين يونيو 2023 ومايو 2025، وجميع هذه الحوادث نسبت إلى قوات الدعم السريع. وشملت الهجمات مستشفيات في الخرطوم وولاية شمال دارفور وشمال كردفان. وفي حادثة مروعة، استهدف هجوم بطائرة مسيرة تابعة للميليشيا روضة أطفال ومستشفى في بلدة كالوجي بجنوب كردفان، مما أسفر عن مقتل أكثر من 79 شخصاً بينهم 43 طفلاً تتراوح أعمارهم بين خمس وسبع سنوات. ووصفت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) هذا الهجوم بأنه “انتهاك مروع لحقوق الأطفال”.

من السودان إلى العالم: تهديد عالمي

ما يحدث في السودان ليس حالة معزولة. فستارلينك تُستخدم في صراعات متعددة حول العالم، مما يحولها من أداة اتصالات مدنية إلى سلاح جيوسياسي. في غزة، اتهمت تقارير الشركة بالتواطؤ في جرائم حرب، حيث تحولت غزة إلى “مختبر بشري للحرب الآلية”.

وحتى في الولايات المتحدة، كشفت وثائق داخلية عن اعتماد البنتاغون المتزايد على ستارلينك في عمليات الطائرات المسيرة، مما خلق فكرة “نقطة فشل واحدة” يمكن أن تعطل العمليات العسكرية بأكملها. وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً: هل من المسموح لشركة خاصة أن تمتلك مثل هذه السيطرة على البنية التحتية العسكرية للدول؟

سقطة أخلاقية ومسؤولية قانونية

إن استخدام قوات الدعم السريع لستارلينك في هجماتها، وهي قوة متهمة دولياً بارتكاب جرائم حرب، يشكل سقطة أخلاقية لا يمكن لشركة ستارلينك التهرب من مسؤوليتها فيها. فتقديم الخدمة لميليشيا تستهدف المستشفيات والمدارس والأسواق، ومعرفة الشركة بذلك، يجعلها شريكاً في هذه الجرائم، حتى لو كانت تزعم أنها مجرد مزود خدمة محايد.

لقد تجاهلت ستارلينك طلبات التوضيح بشأن تواطئها المزعوم في جرائم حرب في غزة، ولم تقدم أي تفسير مقنع لاستمرار تزويد قوات الدعم السريع بالخدمة رغم انتهاكها الصريح لشروط الاستخدام. وهذا الصمت المتعمد يطرح تساؤلات حول مدى اهتمام الشركة بالبعد الإنساني مقابل أرباحها التجارية ومصالحها الجيوسياسية.

إن استمرار ستارلينك في توفير خدماتها لقوات الدعم السريع، رغم معرفتها باستخدامها في جرائم حرب، يجعلها شريكاً في هذه الجرائم. والمطلوب اليوم ليس مجرد مراجعة لشروط الخدمة، بل وقفة جادة من المجتمع الدولي لوضع إطار قانوني ملزم يمنع استخدام التقنيات الفضائية في الصراعات المسلحة، ويحاسب الشركات التي تتغاضى عن استخدام منتجاتها في انتهاك حقوق الإنسان.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى