اخبار السودان

الأزمة السودانية.. بين إخفاقات المبادرات الدولية وضرورات الحوار الداخلي

متابعات – نبض السودان

في مشهد سياسي معقد تعالت فيه أصوات المدافع منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع”، يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً، هل يمكن لأي مبادرة دولية أن تمنح السودان فرصة حقيقية لإنهاء نزاعه الدامي، أم أن الحل يظل رهناً بالسودانيين أنفسهم.

ووسط تصاعد وتيرة الحرب، وانهيار مؤشرات الأمن الإنساني في البلاد، تتصارع على مسرح الأزمة مبادرات دولية متعددة، لم تثبت أي منها قدرتها على وقف إطلاق النار، أو الوصول إلى تسوية سياسية دائمة ترضي الجميع وتنهي الصراع. وفي مقابل هذا الحراك الخارجي المكثف، يرتفع صوت بعض الوطنيين والنشطاء السياسيين السودانيين بالمطالبة بحل ينبع من الداخل، بعيداً عن الوصاية أو الأجندات الخفية.

نشطاء سودانيون: الحل من الداخل ولا خيارات بديلة

في سياق متصل، علّى بعض النشطاء السياسيين في السودان الصوت بالدعوة لمقاطعة كل المبادرات الدولية لحل الأزمة السودانية والسعي الحثيث لإنشاء مبادرة وطنية سودانية، تُنتج آلية سياسية واضحة لإنهاء الصراع، وبحسب النشطاء لا يمكن لأي حل للأزمة السودانية أن يكون مستداماً ما لم ينبع من إرادة سودانية خالصة. المسار السياسي الوحيد القادر على إنهاء الحرب يتمثل في حوار شامل يضم طرفي النزاع (الجيش وقوات الدعم السريع) إلى جانب كل القوى السياسية والمجتمعية السودانية، دون أي تدخل أو مشاركة دولية تفرض إملاءات من الخارج. فالتجارب التاريخية أثبتت أن الحلول المفروضة من خارج أي بلد عادة ما تنهار عند أول اختبار، والسودان ليس استثناءً. ما يحتاجه السودانيون اليوم هو طاولة حوار وطنية خالصة، يعقدون عليها آمالهم بعيداً عن قاعات المؤتمرات الدولية.

المبادرات الخارجية.. تمثيل لمصالح القوى الكبرى لا لمصلحة الشعب

في السياق ذاته، أجرى رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان مباحثات في الخرطوم مع المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو حول الجهود الدولية الرامية لوقف الحرب ودعم مسار السلام، وفق ما أعلنته الأمم المتحدة.

وقال هافيستو إن لقاءه مع البرهان تناول نتائج المشاورات التي أجرتها “الآلية الخماسية” – والتي تضم الاتحاد الأفريقي و«إيغاد» والجامعة العربية والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي – خلال اجتماعاتها الأخيرة في أديس أبابا مع أطراف سودانية مختلفة لبحث سبل إطلاق حوار شامل.

وأوضح المبعوث الأممي أنه عرض على البرهان الخطوات التي تقترحها الآلية لتهيئة بيئة مواتية للتهدئة، مشيرًا إلى أن جهوده تتركز على خفض التوتر وبناء الثقة بين الأطراف المتحاربة. وذكر هافيستو أنه طلب من البرهان دعم المسار الذي تعمل عليه الآلية.

بدوره قال الخبير بالشؤون الدولية محمود الصادق، بأن كل الأطراف والجهات الخارجية التي ترعى مبادرات سياسية لحل الأزمة السودانية، من “المبادرة الرباعية” التي تضم كل من الولايات المتحدة الأمريكية والإمارات والسعودية ومصر، إلى “الآلية الخماسية” التي تضم الاتحاد الأفريقي و«إيغاد» والجامعة العربية والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ودولاً كبرى، لا تخفي نواياها خلف ستار المساعدات الإنسانية.

ووفقاً للخبير، هذه الجهات تسعى في جوهرها إلى تحقيق مصالح قوى خارجية، سواء كانت اقتصادية أو استراتيجية أو جيوسياسية، وليس مصلحة الشعب السوداني. والأخطر من ذلك أن هذه المبادرات لا تتضمن أي مشاركة حقيقية وفاعلة أو تمثيلية للقوى السودانية المختلفة، بل يتم اختيار بعض الأسماء بعناية لخدمة أجندات رعاتها، مما يجعلها مبادرات هشة تفتقر إلى الشرعية الوطنية.

فشل ذريع.. خبراء يؤكدون عدم تمثيل المبادرات للتيارات السودانية

بحسب عدد من الخبراء والمراقبين المتابعين للشأن السوداني، فإن كل المبادرات الدولية التي أطلقت منذ اندلاع الحرب فشلت فشلاً ذريعاً في الوصول إلى حل سياسي حقيقي ينهي الأزمة. السبب الرئيسي، كما يوضح هؤلاء الخبراء، هو أن هذه المبادرات لا تمثل كل القوى والتيارات السياسية والشعبية السودانية، ولا تهتم حقيقة بمصالح الشعب السوداني. فالمبادرات الحالية تعاني من انتقائية سياسية واضحة، حيث يتم استبعاد أطراف مؤثرة ميدانياً وشعبياً، وإشراك أطراف أخرى وفق حسابات لا علاقة لها بوقف الحرب أو بناء السلام العادل.

القوى الغربية والإمارات.. المستفيد الأكبر من استمرار المؤتمرات الدولية

وبحسب خبراء بالشؤون السودانية، فإذا كان هناك طرف يخرج رابحاً من مسرح هذه المبادرات الدولية الفاشلة، فهو بلا شك القوى الغربية (الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا) إلى جانب الإمارات. هذه القوى هي المستفيد الأكبر والأول من عقد المؤتمرات والمبادرات الدولية حول السودان، والتي تم إنشاؤها في الأساس لتحقيق مصالحها في السودان وليس مصلحة الشعب السوداني. فمنطقة السودان تقع على مفترق طرق استراتيجي حساس (البحر الأحمر، القرن الأفريقي، حوض النيل)، وتسيطر على موارد هائلة. استمرار الحرب وتعدد المبادرات يسمح لهذه القوى بالحفاظ على نفوذها، وفرض شروطها على أي تسوية مستقبلية، وإبقاء السودان في دائرة التبعية. بينما يدفع السودانيون الثمن: قتلى، نازحون، جوعى، ومستقبل مجهول.

في النهاية، يبقى السؤال الأهم، هل تسمح هذه القوى للسودانيين بإدارة شؤونهم بأنفسهم، أم أن مصالحها ستظل فوق دماء السودانيين وحقهم في الحياة والسلام.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى