اخبار السودان

تجاهل دولي يثير الشبهات.. لماذا تتجنب التقارير الدولية ذكر المرتزقة الأوكران بصفوف «الدعم السريع»

.

متابعات – نبض السودان

في مشهد يعكس تعقيدات النزاع السوداني وتداخلاته الدولية، كشف تقرير جديد لمنظمة “هيومن رايتس ووتش” عن تفاصيل صادمة حول تورط مرتزقة كولومبيين في الحرب والقتال إلى جانب قوات “الدعم السريع”، ضد الجيش السوداني، قادمين عبر قواعد عسكرية إماراتية، بحسب دلائل ووثائق من مصادر متعددة أوردها التقرير، تشير لتورط الإمارات بشكل مباشر بتسهيل توريد المرتزقة للسودان. لكن اللافت في التقرير وفقاً لمراقبين هو الغياب شبه التام لأي إشارة إلى وجود مقاتلين أو خبراء أوكرانيين ضمن صفوف “الدعم السريع”، على الرغم من الأدلة المتزايدة على تواجدهم حتى قبل الحديث عن أي تواجد للمرتزقة الكولومبيين.

وفقاً لخبراء، فإن هذا التجاهل الانتقائي من قبل الصحافة الغربية والمنظمات الدولية يثير تساؤلات جوهرية حول الأجندات الخفية التي تقف وراء تغطية واحدة من أكثر الحروب دموية في العالم.

الكولومبيون والإمارات تحت المجهر

في سياق متصل، نشرت “هيومن رايتس ووتش” تقريراً موسعاً عنونته بـ “من بوغوتا إلى الفاشر: دور الإمارات في إرسال مقاتلين كولومبيين”، حيث أكدت أن “المجموعة العالمية للخدمات الأمنية”، وهي شركة أمنية يقع مقرها في أبو ظبي وتمتلك صلات بالعائلة الحاكمة وكبار المسؤولين الإماراتيين، وظفت متعاقدين عسكريين كولومبيين أُرسلوا للقتال مع الدعم السريع منذ عام 2024. وتلقوا تدريباتهم في قواعد عسكرية إماراتية (مثل غياثي والوثبة) قبل نقلهم إلى السودان.

ورغم أن أول دليل علني على وجود كولومبيين يقاتلون مع الدعم السريع ظهر في نوفمبر 2024، فإن هيومن رايتس ووتش تنشر لأول مرة أدلة على مرور هؤلاء المرتزقة عبر قواعد إماراتية قبل الوصول إلى السودان.

ويوثق التقرير، الذي اعتمد على مقابلات مع مرتزقة وموظفين سابقين وشهود من الفاشر، كيف سافر هؤلاء المقاتلون عبر شبكة معقدة تمتد إلى شرق ليبيا والصومال، لتظهر أدلة على تواجدهم في خطوط المواجهة بالفاشر في أكتوبر 2025، حيث ارتكبت “الدعم السريع” مجازر بحق المدنيين.

وأفادت هيومن رايتس ووتش بأنها تملك أدلة على وجود متعاقدين عسكريين خاصين في الفاشر بولاية شمال دارفور في أكتوبر 2025، عندما سيطرت “الدعم السريع” على المدينة وارتكبت عمليات قتل واغتصاب واسعة. وقال 6 شهود، بحسب المنظمة إنهم شاهدوا مقاتلين أجانب “بيض البشرة” في موقع عمليات القتل الجماعي التي نفذتها “الدعم السريع”، وهم يرتدون معدات حماية تشمل خوذات ودروعاً واقية وواقيات للركبتين.

وظل الجيش يدافع عن الفاشر منذ أول هجوم شنّته قوات الدعم السريع عليها في مايو 2024، رغم الحصار البري الذي أعقبه حصار جوي ، قبل أن تسيطر عليها قوات الدعم السريع في 26 أكتوبر 2025.

وفرضت الولايات المتحدة وبريطانيا والأمم المتحدة عقوبات على ضباط كولومبيين لدورهم في تجنيد مرتزقة يعملون جنودَ مشاة ومدفعية وطياري طائرات مسيّرة، إضافة إلى تدريب الأطفال على أساليب حرب العصابات لصالح الدعم السريع.

هذا الكشف يعتبر دليلاً إضافياً على تورط الإمارات في دعم قوات “الدعم السريع” بقدرات بشرية احترافية، مما أسهم بشكل مباشر في ارتكاب جرائم حرب.

الغائب إعلامياً والحاضر ميدانياً.. الأوكرانيون في صفوف الميليشيا

في المقابل، يشير بعض المتخصصين إلى غياب أي ذكر للمرتزقة أو الخبراء الأوكرانيين في هذه التقارير، على الرغم من أن المصادر السودانية المدنية والعسكرية تشير إلى وجودهم منذ وقت طويل.

ووفقاً للباحث والخبير بالشؤون الأفريقية، بشير الجاسم ، فإن مسؤولين سودانيين كبار، بينهم قيادات رفيعة في الجيش مثل ياسر العطا، ورئيس الوزراء الأسبق كامل إدريس، تحدثوا بشكل صريح عن وجود مقاتلين وخبراء أوكرانيين وكولومبيين بالوقت ذاته. حتى أنه تم التلميح إلى أن الاستخبارات العسكرية الأوكرانية هي من تقوم بإرسال هؤلاء الخبراء، وهم ليسوا مجرد مرتزقة عاديين بل مستشارين في خطط عسكرية متقدمة، خصوصاً في مجال الطائرات المسيّرة.

وكانت الفرقة السادسة مشاة في الجيش السوداني، قد أعلنت في أغسطس الماضي عن تنفيذ عملية نوعية أسفرت عن القضاء على عدد من المرتزقة الأوكرانيين في دارفور. بدورها، كشفت منظمة العفو الدولية في يناير الماضي عن تورط مسؤولين في الاستخبارات الأوكرانية في تزويد مليشيا الدعم السريع بأسلحة ومعدات عسكرية ذات منشأ كندي. وتشير تقارير متطابقة إلى أن قنوات إمداد “الدعم السريع” تمتد لتشمل كينيا وإثيوبيا وتشاد ودولًا أفريقية أخرى.

وبحسب الجاسم فإن تسليط الضوء على المرتزقة الكولومبيين من قبل الصحافة العالمية والمنظمات الدولية، وتجاهل المرتزقة الأوكرانيين تساؤل يثير كثير من الشبهات ويطرح الكثير من علامات الاستفهام.

لماذا التركيز على الكولومبيين وتجاهل الأوكرانيين
وفقاً للباحث المتخصص بالشؤون الإعلامية والسياسية محمد عز العرب ، فإن هناك عدة عوامل تفسر لماذا تتجنب المنظمات الدولية والغربية تسليط الضوء على دور أوكرانيا في دعم “قوات الدعم السريع” وبالتالي إطالة أمد الصراع في السودان، وتركز على الدور الكولومبي فقط؟ ولعل أبرز تلك الأسباب يمكن تلخيصها بالنقاط التالية:

أولاً، اختلاف الدور والخبرة: حيث يرى عز العرب بأن “الدعم السريع” يعتمد على الكولومبيين كعناصر قتالية في الخطوط الأمامية نظراً لخبراتهم القتالية الطويلة وتكلفتهم الأقل، بينما يقتصر دور الأوكرانيين على المهام الاستشارية والتدريب وإدارة الطائرات المسيّرة، مما يبقيهم بعيداً عن كاميرات الصحافة في الجبهات.

ثانياً، السرية والحماية المكثفة: بحسب الخبير، فإن الخبراء الأوكرانيون يتمتعون بحماية مكثفة وسرية عالية، حيث يعملون ضمن وحدات النخبة ولا يظهرون في مقاطع الفيديو المنتشرة على نطاق واسع، على عكس نظرائهم الكولومبيين.

ثالثاً، العنصرية الغربية والمصالح المشتركة: يشير عز العرب ، إلى وجود عنصرية في تناول ملف المرتزقة، حيث تسيطر النخبة الغربية على منظمات المجتمع الدولي ووكالات الأنباء الدولية. وبما أن أوكرانيا هي الحليف الغربي في مواجهة روسيا، فإن أي تغطية سلبية لوجودها في السودان قد تضرب صورة كييف التي يسعى الغرب لترميمها.

رابعاً، دعم فرنسي وبريطاني خلف الكواليس: ووفقاً للخبير فإن الخبراء الأوكرانيين في السودان لا يعملون بمعزل عن اتفاقيات دولية أكبر، تشمل فرنسا وبريطانيا (الداعم الأساسي والراعي الرسمي لهم)، لاستخدام أوكرانيا كوكيل لتحقيق مصالح استعمارية قديمة في منطقة الساحل وشرق أفريقيا، بعيداً عن العداء المعلن لروسيا فقط.

خامساً، حسابات معقدة مع الخرطوم: ويرى عز العرب بأنه إضافة لما ذُكر سابقاً، من المحتمل وجود سبب غير متوقع لتريث السودان باتخاذ موقف علني حاد من أوكرانيا، ووفقاً للخبير فإنه على عكس التعامل الحاد مع الكولومبيين، تتعامل الحكومة السودانية والجيش بحذر أكبر مع الملف الأوكراني. حيث تشير بعض التقارير إلى أن هناك مصالح اقتصادية متبادلة بين البلدين، خاصة في ملف القمح والأمن الغذائي، وبعض الملفات غير المعلنة، مما يجعل التصعيد العلني والدبلوماسي ضد كييف غير وارد كما هو الحال مع بوغوتا أو أبو ظبي.

خبير: إخفاق أخلاقي في التغطية الصحفية الدولية

في السياق ذاته، قال عز العرب بأنه في الوقت الذي تتصدر فيه صور المرتزقة الكولومبيين عناوين الأخبار كدليل على تورطهم ومن خلفهم الدول الداعمة لهم كالإمارات وفرنسا وبريطانيا بالجرائم المرتكبة بحق الشعب السوداني، فإن الصمت المطبق على الدور الأوكراني يكشف عن ازدواجية معايير صارخة بالصحافة العالمية. حيث أن إن تجاهل الصحافة العالمية والمنظمات الدولية لوجود خبراء عسكريين أوكرانيين إلى جانب “الدعم السريع” لا يضر فقط بمصداقية هذه المؤسسات، بل يمنح غطاء ضمنياً لاستمرار هذه التدخلات الأجنبية التي تزيد من معاناة الشعب السوداني.

إن محاسبة كل من يساهم في إطالة أمد هذه الحرب، سواء كانوا من بوغوتا، كييف، أو أبو ظبي، هو السبيل الوحيد لتحقيق العدالة لضحايا الفاشر ودارفور.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى