مقالات الرأي

الثقافة في مواجهة الكراهية.. معركة ما بعد الحرب

الثقافة في مواجهة الكراهية.. معركة ما بعد الحرب – أمل أبوالقاسم

حين تضع الحرب أوزارها، تبرز تداعياتها على المجتمع، وما خلّفته من ندوب عميقة في جسده، وإن ران عليها الصمت؛ ذلك الصمت الذي غالبًا ما يكون ستارًا يخفي جراحًا غائرة في الوجدان.
فالحروب لا تخلّف دمارًا ماديًا فحسب، بل تعيد تشكيل الوعي، وتزرع بذور الكراهية، وتغذّي الانقسامات التي قد تمتد لسنوات طويلة. هنا يتقدّم سؤال جوهري: من يعيد ترميم الإنسان بعد أن تخفت أصوات الرصاص؟

في هذه اللحظة الحرجة، لا يكفي الدور السياسي أو الأمني وحده، بل تبرز الثقافة والفنون بوصفها قوة ناعمة قادرة على اختراق الحواجز النفسية، وإعادة بناء الجسور بين الأفراد والجماعات. وهو ما أكدت عليه خلال مقابلة مرئية ضمن “برودكاست” على راديو المهن.

فالأغنية، والمسرح، والرواية، والسينما، ليست مجرد أدوات ترفيه، بل لغات إنسانية تتجاوز الانتماءات الضيقة، وتعيد صياغة السرديات من خطاب الكراهية إلى خطاب التعاطف والتعايش السلمي، الذي نحن في أمسّ الحاجة إليه، خاصة بعد حالة التفكك التي سبقت الحرب وتفاقمت خلالها.

لقد أثبتت تجارب عديدة حول العالم أن المجتمعات التي استثمرت في الفنون بعد النزاعات كانت أكثر قدرة على التعافي. ففي الإبادة الجماعية في رواندا، لعبت الفنون المجتمعية والمسرح التفاعلي دورًا في فتح مساحات للحوار والمصالحة بين الضحايا والجناة. وفي حرب البوسنة والهرسك، أسهمت السينما والمهرجانات الثقافية في إعادة تشكيل الذاكرة الجماعية وتعزيز قيم التعايش.

كما استُخدمت مبادرات الفن العلاجي على نطاق واسع لمساعدة الأطفال والناجين على التعبير عن صدماتهم، وتحويل الألم إلى طاقة إبداعية تسهم في التعافي النفسي. وفي كثير من البلدان، تحوّلت الجدران التي كانت شاهدة على الانقسام إلى لوحات تعبّر عن الأمل، وتحمل رسائل السلام.

ومن هنا، فإن الحديث عن إعادة إعمار المجتمعات بعد الحروب لا يكتمل دون إدماج الثقافة والفنون كأدوات أساسية في بناء السلام؛ فهي ليست ترفًا، بل ضرورة إنسانية لإعادة تشكيل الوعي، وتفكيك خطاب الكراهية، واستعادة المعنى المشترك للانتماء.

سقت هذه التقدمة عطفًا على زيارة رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، برفقة الفريق أول أمن أحمد إبراهيم مفضل، ومدير عام منظومة الصناعات الدفاعية الفريق أول ميرغني إدريس.

إن تحركهم لزيارة مركز الفضاء العالمي للثقافة والإعلام، بعد زيارة سابقة لمركز شباب أم درمان، لا يمكن قراءته باعتباره أمرًا عابرًا أو ترفًا، بل يعكس إدراكًا عميقًا لأهمية الثقافة والفنون والمسرح والإعلام كأدوات فاعلة في رتق النسيج الاجتماعي، وإعادة بناء الوطن مبنىً ومعنىً.

فالقيادة لا تألو جهدًا في إحياء روح وطن أرادوا له أن يموت تحت ركام الحطام، سعيًا لوأده وتمزيقه. غير أن هذا الوطن ينهض من جديد، صلبًا في وجه الاستهداف، رغم استمرار محاولات النيل من بنيته وعقول شبابه عبر استهداف ممنهج، لكن هيهات.

وتدرك القيادة أهمية تعافي المجتمع من داء الفرقة وخطاب الكراهية، وما خلّفته الحرب من جراح في النفوس. لذلك، فإن دعمها لمثل هذه المبادرات لا يقل أهمية عن ميادين القتال.

واليوم، يُعقد الأمل على هذه المراكز الثقافية التي وعت دورها في مرحلة مفصلية، كما يُعوّل على الأدباء والشعراء والدراميين والإعلاميين في حمل هذه الرسالة، والاضطلاع بها على الوجه الأمثل، حتى تؤتي ثمارها بإذن الله.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى