السيناريوهات المحتملة لتطورات الشرق الأوسط على السودان.. البحر الأحمر يعود إلى مركز اللعبة

تقرير تحليلي – علم الدين عمر
بينما تتقاطع نيران الصواريخ مع خرائط المصالح على صفيح ساخن في المشهد الدولي والإقليمي، يجد السودان نفسه أمام عاصفة مزدوجة: حرب داخلية لم تنطفئ بعد، وتوتر متصاعد بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، بما في ذلك استهداف القواعد الأمريكية في الخليج عبر أذرع إقليمية لطهران. هذه المعادلة المعقدة تضع الخرطوم في قلب لعبة جيوسياسية حساسة، لكنها ليست بلا أدوات أو خبرة، إذ تمتلك الدولة السودانية رصيداً تراكمياً من التجارب في إدارة التوازنات الإقليمية يمكن أن يشكل فرصة لإعادة تعريف موقعها كدولة توازن لا دولة محور.
البحر الأحمر… شريان التجارة العالمي يعود إلى مركز اللعبة
مع تصاعد التوتر الإيراني–الأمريكي–الإسرائيلي، تحول البحر الأحمر إلى مسرح رسائل نارية تهدد الملاحة العالمية. السودان، المطل على هذا الممر الحيوي، يعتمد بشكل شبه كامل على ميناء بورتسودان كمنفذ اقتصادي في ظل الحرب. أي اضطراب في حركة الملاحة أو ارتفاع تكاليف التأمين والشحن ينعكس مباشرة على أسعار الوقود والقمح والسلع الأساسية، ما يضاعف هشاشة الاقتصاد السوداني المنهك أصلاً.
إرث العلاقة مع طهران… شبح قديم يعود؟
العلاقات السودانية–الإيرانية التي شهدت تعاوناً عسكرياً وأمنياً في التسعينيات، ثم انقطعت بعد 2016 لصالح المحور الخليجي، عادت مؤخراً في سياق الحرب الداخلية. هذا الإرث يجعل السودان ساحة محتملة لتصفية الحسابات الإقليمية، ويضعه أمام ضغوط لتحديد موقعه بوضوح، في وقت يحتاج فيه إلى حنكة عالية لتجنب التحول إلى نقطة تماس مباشرة.
الاقتصاد… هشاشة مضاعفة أمام الصدمات
أي تصعيد واسع في الخليج سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، ما يعني تضخماً فورياً في السودان المستورد للوقود. كما أن التحويلات المالية من مئات الآلاف من السودانيين العاملين في الخليج قد تتأثر، إضافة إلى احتمالات تقلص الدعم الإنساني وارتفاع كلفة النقل والتأمين. في ظل تضخم مرتفع وانكماش اقتصادي عميق، تمثل هذه الصدمات طبقة إضافية من الهشاشة يصعب على الاقتصاد السوداني امتصاصها.
السياسة… الاستقطاب الداخلي يتغذى من الخارج
الانقسام السياسي الحاد في السودان قد يتعمق مع التوتر الإقليمي، حيث تدفع بعض التيارات نحو الاصطفاف مع المحور العربي–الأمريكي–الإسرائيلي، فيما تستثمر أخرى في خطاب مناهض للغرب. الخطر الأكبر أن يتحول الصراع الإقليمي إلى مادة تعبئة داخلية تزيد من انقسام الشارع وتعيد إنتاج خطاب التخوين في مجتمع مثقل بالنزوح والفقر.
الأمن… البحر الأحمر ساحة محتملة للرسائل العسكرية
مع استهداف القواعد الأمريكية في الخليج، تزداد احتمالات توسيع رقعة الرسائل العسكرية لتشمل الممرات البحرية. مجرد الاشتباه بوجود تسهيلات أو تحركات عسكرية في السودان قد يجلب ضغوطاً دولية، في وقت تعاني فيه الدولة من انتشار السلاح وتعدد مراكز القوة، ما يجعل ضبط المجال البحري تحدياً مضاعفاً.
المجتمع… تعب الحرب وقلق المجهول
المجتمع السوداني يعيش حالة إنهاك نفسي واقتصادي منذ اندلاع الحرب. أي تصعيد إقليمي يضيف طبقة جديدة من القلق حول الأسعار وفرص العمل بالخارج. لكن ثمة وعي شعبي متزايد بخطورة الارتهان للمحاور الخارجية، إذ أثبتت التجارب أن الاصطفاف الحاد لم يجلب استقراراً دائماً.
السيناريوهات المحتملة
– الاحتواء المحدود: استمرار الضربات دون حرب شاملة، مع تأثير اقتصادي متوسط وضغوط على الأسعار.
– التصعيد الواسع: استهداف أوسع للبنى التحتية للطاقة والملاحة، ما يقود إلى صدمة اقتصادية حادة وضغوط سياسية مكثفة على الخرطوم.
– التهدئة المشروطة: وساطات دولية تخفف التوتر، تمنح السودان فرصة لإعادة تموضعه كدولة توازن.
بين نار الداخل ونار الإقليم
السودان لا يحتمل ترف المغامرة بمحاور خارجية، لكنه يمتلك أدوات وخبرة تمنحه فرصة ليكون جزءاً من معادلة الاستقرار لا ساحة للفوضى. التصعيد الإيراني–الأمريكي–الإسرائيلي قد لا يكون حرب السودان، لكنه قادر على إعادة تشكيل بيئته الاستراتيجية والاقتصادية. كلما عززت الدولة من مهنيتها ووحدة قرارها، ازدادت قدرتها على التوازن والوقوف مع أشقائها دون أن تخسر استقلالها الوطني.











