
متابعات – نبض السودان
تتصاعد في إيطاليا حملة حقوقية واسعة تطالب روما والاتحاد الأوروبي بتشديد الرقابة على منشأ الذهب المستورد، وسط تنامي الشكوك بشأن انتشار الذهب السوداني المهرّب في الأسواق الأوروبية، وما يمثله من مصدر تمويل مباشر للحرب المستمرة في السودان.
الحملة التي انطلقت قبل أكثر من 18 شهراً تشمل مخاطبة المؤسسات الإيطالية والأوروبية وتنظيم وقفات احتجاجية وندوات للتوعية بمخاطر تجارة “ذهب النزاعات”، كان أبرزها ندوة نظمتها جماعة الآباء الكومبونيين في روما نهاية يونيو تحت عنوان “تتبع مسارات الذهب ونزع سلاح الحرب”، بمشاركة منظمات مجتمع مدني وخبراء دوليين في تجارة المعادن المرتبطة بالنزاعات.
وبحسب مجلة “نيغريتسيا” الإيطالية، واصلت إيطاليا حتى عام 2022 استيراد الذهب مباشرة من السودان قبل أن تتوقف الواردات في 2023 عقب اندلاع الحرب، بينما استوردت خلال عام 2025 نحو 178 طناً من الذهب، مع تحول الولايات المتحدة إلى المصدر الأول لواردات الذهب الإيطالية متقدمة على سويسرا، إضافة إلى واردات مباشرة من دول أخرى.
وتؤكد المجلة أن المشكلة التي تواجه إيطاليا لا تختلف عن بقية دول الاتحاد الأوروبي، إذ يستحيل التأكد من المنشأ الحقيقي للذهب القادم من دول وسيطة رغم أن وارداتها تمثل جزءاً مهماً من إجمالي الواردات الأوروبية.
وتعهدت منظمات المجتمع المدني الإيطالية بمواصلة الضغط خلال المراجعة المقبلة للائحة الاتحاد الأوروبي الخاصة بالمعادن القادمة من مناطق النزاع، مع تكثيف الحوار مع الحكومة الإيطالية، خصوصاً بعد مصادقة مجلس الشيوخ الإيطالي في يونيو الماضي على اتفاقية تعاون عسكري مع إحدى الدول، رغم حملات استمرت عامين تطالب بتشديد الرقابة على تجارة الذهب وسلاسل توريده.
وتشير المجلة إلى أن سويسرا استوردت خلال عام 2025 نحو 420 طناً من الذهب القادم من دول وسيطة مقابل 150 طناً في 2024، ليُعاد تصدير جانب كبير منه إلى أوروبا بعد التكرير، ما يجعل تحديد منشئه الأصلي شبه مستحيل، إذ يأتي نحو 65% من الذهب الذي تستورده دول الاتحاد الأوروبي عبر سويسرا، بينما تقتصر الرقابة الأوروبية على المورد المباشر دون تتبع كامل لسلسلة التوريد.
ودعت المجلة إلى مراجعة التشريعات الأوروبية الخاصة بمعادن النزاعات وإدراج مراكز العبور مثل تركيا والهند وهونغ كونغ ضمن المناطق عالية المخاطر، وفرض تتبع كامل لسلاسل التوريد وتشديد معايير الاعتماد الدولية وتوسيع العقوبات لتشمل جميع حلقات الإمداد.
وفي مداخلته خلال الندوة، أكد منسق الشبكة الإيطالية للسلام ونزع السلاح، ألفيو نيكوترا، أن الصراع في السودان ليس مجرد حرب، بل حرب تغذيها اقتصادات عابرة للحدود وفي قلبها تجارة الذهب، الذي أصبح بالنسبة للسودان ما كان يمثله النفط لحروب الشرق الأوسط: المورد الذي يسمح باستمرار الصراع. وأوضح أن التنافس على مناطق تعدين الذهب كان أحد العوامل التي أسهمت في انهيار التحالف بين الجيش وقوات الدعم السريع واندلاع الحرب عام 2023، وأن الذهب بات المصدر الرئيسي لتمويل الطرفين وفق تحليلات “تشاتام هاوس”.
وأشار نيكوترا إلى أن مليشيا الدعم السريع بنت خلال السنوات الماضية منظومة اقتصادية واسعة قائمة على مناجم الذهب في دارفور، وأن شبكاتها التجارية عبر دول متعددة مكّنتها من تحويل الذهب إلى عملة صعبة وتمويل عملياتها العسكرية. ونقل عن مصادر مستقلة أن جزءاً كبيراً من إنتاج السودان يُهرّب عبر دول الجوار قبل وصوله إلى الأسواق العالمية، حيث يصبح من المستحيل عملياً تحديد مصدره الأصلي، ما يجعل الذهب مادة مثالية لتمويل الحروب لسهولة نقله وصعوبة تتبعه.
وتشير معطيات خبراء من “سويس إيد” و“ذا سنتري” إلى أن ما بين 50 و70% من إنتاج السودان السنوي من الذهب، البالغ نحو 70 طناً، يُهرّب إلى الخارج بقيمة تتراوح بين 9 و12 مليار دولار، وأن نحو 90% منه يُنتج بالتعدين التقليدي، ما يزيد صعوبة تتبعه، وينقل عبر تشاد وليبيا وجنوب السودان وكينيا وأوغندا أو عبر مصر وإريتريا قبل وصوله إلى الأسواق العالمية. كما تستورد دول أوروبية كميات ضخمة من الذهب بعد مروره عبر مراكز تكرير دولية، في ظل رقابة محدودة على سلسلة التوريد.
وتخلص الحملة الحقوقية إلى أن وقف تمويل الحرب في السودان يتطلب إصلاحات رقابية صارمة وتعاوناً دولياً واسعاً، لأن كل سبيكة ذهب تُهرّب من مناجم دارفور وتصل إلى الأسواق العالمية تمثل جزءاً من مأساة السودان المستمرة.











