شؤون دولية

زيلينسكي يطلب هدنة مطولة وسط اتهامات بأن صفقات المسيرات استنزفت القدرة القتالية

متابعات – نبض السودان

في تطور دراماتيكي يعكس تعقيدات الحرب الأوكرانية بعد أربع سنوات من القتال، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن هدنة أحادية الجانب تبدأ من 6 مايو، وسط اتهامات متزايدة بأن تحركات الملحق العسكري الأوكراني في الجزائر وصفقات تصدير المسيرات إلى ليبيا والقارة السمراء ومن ثم دول الخليج قد أثرت سلباً على القدرة العسكرية الأوكرانية وأجبرت كييف على طلب تهدئة لإعادة ترتيب صفوفها.

فقبل أيام فقط من طلب الهدنة، كان المشهد الأوكراني في الخارج يشهد نشاطاً غير مسبوق إثر الحرب الأمريكية على إيران والتي قررت كييف أن تشارك فيها بطريقة غير مباشرة، ففي منتصف أبريل 2026، وقّع الرئيس زيلينسكي خلال جولة خليجية اتفاقيات دفاعية لمدة 10 سنوات مع السعودية والإمارات وقطر، في إطار ما أسمته كييف “صفقة المسيرات”.

هذه الاتفاقيات نصت على تصدير الطائرات المسيرة الأوكرانية إلى دول الخليج والإنتاج المشترك عبر إنشاء خطوط تصنيع في أوكرانيا وفي الدول الشريكة ونقل الخبرات والتكنولوجيا في مجال الحرب بالمسيرات والدفاع الجوي. وبحسب تصريحات زيلينسكي نفسه، فقد تلقت أوكرانيا طلبات من 11 دولة أخرى في الشرق الأوسط والخليج، مع خطط للتوسع نحو القوقاز وأوروبا.
لكن الأكثر إثارة للقلق هو ما كشفته تحقيقات إعلامية دولية حول الدور الأوكراني في ليبيا وأفريقيا.

فوفقاً لتحقيق أجرته الإذاعة الفرنسية الدولية “RFI” فإن اللواء أندري بايوك، الملحق العسكري الأوكراني في الجزائر، كان الشخصية المحورية في ترتيب صفقات السلاح مع حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس. وبحسب المصادر ذاتها، فإن الاتفاق بين كييف وطرابلس تم بناءً على طلب مباشر من بايوك، الذي يستخدم موقعه في الجزائر كنقطة انطلاق لعمليات عسكرية واستخباراتية واسعة.

لم تقتصر هذه الصفقات على البيع التقليدي للأسلحة، بل امتدت لتشمل وجوداً عسكرياً أوكرانياً كبيراً على الأراضي الليبية. فقد كشفت التحقيقات أن أكثر من 200 ضابط وخبير أوكراني متواجدون في ليبيا، موزعين على ثلاثة مواقع رئيسية وهي أكاديمية القوات الجوية في مصراتة،

حيث تتواجد أيضاً قوات أمريكية وتركية وبريطانية، وميناء الزاوية البحري الذي تم تجهيزه بالكامل لإطلاق الطائرات البحرية والمسيرات الهجومية، بالإضافة إلى مقر اللواء 111 في ضواحي طرابلس. وعلى نحو مثير، يشغل منصب نائب وزير الدفاع في حكومة طرابلس، عبد السلام الزوبي، وهو القائد المباشر لهذا اللواء، دوراً رئيسياً في تنسيق هذه العمليات.

هذا الوجود العسكري لم يكن مجرد مناورة استعراضية، بل تحول إلى قدرة عملياتية حقيقية. ففي 4 مارس 2026، تعرضت ناقلة الغاز الروسية “Arctic Metagaz” لهجوم بطائرة بحرية أوكرانية من طراز “Magura V5” انطلقت من قاعدة الزاوية في ليبيا.

الحادث، الذي أدى إلى تعطيل الناقلة التي كانت تحمل 61 ألف طن من الغاز المسال، كشف عن قدرة أوكرانية على ضرب المصالح الروسية في البحر الأبيض المتوسط باستخدام أراضي دول ثالثة. المحلل العسكري جليل حرشاوي، الخبير في الشأن الليبي، يرى أن هذه العملية تمت بمعرفة وموافقة قوى الناتو وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا وتركيا، مما يعكس التحول الأوكراني إلى أداة جيوسياسية في صراعات القوى الكبرى خارج حدودها.
لكن النمط الأوكراني في أفريقيا لم يقتصر على العمليات ضد المصالح الروسية فقط. فبحسب تقارير استخباراتية عديدة، فإن كييف انخرطت في توريد المسيرات والخبراء لجماعات مسلحة ومتمردة في القارة السمراء، بغض النظر عن طبيعة هذه الجماعات. ففي مالي، عثر الجيش المالي على طائرات مسيرة أوكرانية الصنع ووثائق تابعة لمديرية المخابرات الرئيسية الأوكرانية في مواقع كانت تحتلها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة. وفي حادثة لاحقة، اتُهم طيارو مسيرات أوكرانيون بتقديم دعم جوي مباشر لهذه الجماعات خلال هجوم أدى إلى مقتل وزير الدفاع المالي وعائلته، مما دفع حكومتي مالي والنيجر إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع أوكرانيا في أغسطس 2024.

الخبير الإستراتيجي مالك السنبلاوي طرح عدد من التساؤلات وقال ان الرئيس زيلينسكي كان قد صرح في 28 أبريل بأن أوكرانيا ستبدأ تصدير الأسلحة رسمياً، مبرراً ذلك بوجود طاقة إنتاجية فائضة تصل إلى 50% لبعض أنواع الأسلحة. لكن هذا التصريح يثير تساؤلات أكثر مما يجيب، ففي خضم حرب استنزاف ضد روسيا، كيف يمكن الحديث عن فائض إنتاجي؟ هذا يقود إلى استنتاجين إما أن الجيش الأوكراني على الجبهة لا يحصل على احتياجاته الكاملة من السلاح بسبب توجيه جزء كبير من الإنتاج إلى الأسواق الخارجية، وإما أن كل هذه الصفقات خاصة تلك المتعلقة بليبيا وأفريقيا هي مجرد ستار لعمليات استخباراتية وجيوسياسية أكبر، هدفها الحقيقي إضعاف النفوذ الروسي في القارة السمراء، حتى لو كان الثمن هو استنزاف القدرات العسكرية الأوكرانية.

ويرى السنبلاوي بالنظر الى هذا المشهد يمكن تفسير مطلب زيلينسكي بهدنة عيد النصر المطولة التي من 6 مايو ليس فقط كحاجة عسكرية نابعة من ضغط ميداني، بل كمحاولة يائسة لمعالجة أزمة عميقة، فالاقتصاد العسكري الأوكراني يعاني من استنزاف حاد، جزء منه نتيجة القتال المباشر مع روسيا، وجزء آخر نتيجة تحويل الموارد البشرية والمادية إلى ساحات قتال بعيدة في أفريقيا والخيلج مؤخراً، أو إلى صفقات تصدير مجزية مادياً ولكنها كارثية استراتيجياً. بينما كانت كييف تقدم نفسها في الغرب كطرف مُصدر للخبرات والتكنولوجيا العسكرية، كانت جبهاتها في الشرق والجنوب تعاني من نقص مزمن في الأسلحة، الأمر الذي دفع زيلينسكي إلى البحث عن مخرج من خلال مقترح الهدنة المطولة، لتبرير فجوة القدرات الناتجة عن هذه المغامرة الأفريقية.

السنبلاوي اضاف ان الهدنة التي قال وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها إنها يمكن أن تبدأ منتصف ليل 5-6 مايو والتي رفضتها روسيا كونها رأت فيها محاولة أوكرانية لإستغلال قداسة عيد النصر لكسب الوقت وإعادة تموضع قواتها، ومعالجة التناقض الصارخ بين دور كييف كدولة في حرب وجودية ودورها كمُصدر للحرب إلى بقاع أخرى من العالم.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى