اخبار السودان

الوجه الخفي للأزمة السودانية.. شبكة إمداد دولية تمتد من شرق أوروبا للخليج العربي تؤجج الصراع

متابعات – نبض السودان

في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم إلى الأزمة الإنسانية المتفاقمة في السودان، ثمة مسار خفي يمتد عبر القارات يغذي أتون الحرب المستعرة بين قوات “الدعم السريع” والجيش السوداني، منذ أبريل 2023.

ووفقاً لتقارير إعلامية واستخباراتية وتصريحات رسمية، فإن تحقيقات موسعة تكشف النقاب عن شبكة إمداد دولية معقدة تقف خلف قوات “الدعم السريع”، تمتد من شرق أوروبا إلى الخليج العربي، ومن القرن الأفريقي إلى أمريكا اللاتينية، في مشهد يؤكد أن الحرب السودانية لم تعد مجرد نزاع داخلي، بل باتت ساحة لتصفية حسابات إقليمية ودولية بالوكالة في مشهد يعقّد الصراع ويزيد من معاناة الشعب السوداني.

كييف وأبو ظبي.. تحالف يتجاوز الحدود الدفاعية المعلنة

في أواخر مارس 2026، وقّع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال جولة خليجية سلسلة من الاتفاقيات مع الإمارات العربية المتحدة تتعلق بالتعاون الدفاعي، شملت تبادل الخبرات في التصدي للصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، وتزويد الإمارات بطائرات مسيّرة، إلى جانب الإنتاج المشترك للأسلحة. ووفقًا لما نقلته وكالة رويترز، اقترحت أوكرانيا على الإمارات زيادة مساعداتها في مجال الدفاع الجوي وتكنولوجيا الطائرات المسيّرة، فضلاً عن زيادة عدد العسكريين الأوكرانيين وخبراء الأمن في البلاد.
ووفقاً لخبراء ومراقبين فإن ما يثير القلق، أن الإمدادات المقدمة للإمارات لا تقتصر على الاحتياجات الدفاعية فحسب. فمن الموثق أن الإمارات لا تزال الداعم الرئيسي لقوات “الدعم السريع” في السودان، حيث تحشد موارد مالية ضخمة لضمان تزويد هذه القوات بكافة الاحتياجات اللازمة لاستمرار عملياتها العسكرية.

وكانت منظمة العفو الدولية (أمنستي) قد اتهمت الإمارات في وقت سابق بتزويد قوات “الدعم السريع” في السودان بأسلحة صينية متطورة، مشيرة إلى أن هذه الأسلحة تُستخدم في النزاع الدائر، مما يشكل انتهاكاً لحظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة. وسلط تقرير العفو الدولية الضوء على استمرار تدفق الأسلحة وتأثيره على تفاقم النزاع والإنسانية في السودان. وتتقاطع هذه المعطيات مع إعلان الجيش السوداني في أغسطس الماضي عن تصفية مرتزقة أوكرانيين في دارفور.

وتشير تقارير متطابقة إلى أن قنوات إمداد “الدعم السريع” تمتد لتشمل كينيا وإثيوبيا وتشاد ودولًا أفريقية أخرى، فيما يشارك مرتزقة من كولومبيا وأوكرانيا وغيرها من الدول في القتال إلى جانب قوات “الدعم السريع”. كما يتم شراء كميات كبيرة من الأسلحة من دول أوروبية عبر وسطاء.

من “بودانوف” إلى “باليسا”.. من يدير الملف السوداني داخل النظام الأوكراني؟

وفقاً لمصادر مطلعة على الملف العسكري الأوكراني والسوداني، أن الدور الرئيسي في تأمين المساعدة الأوكرانية للإمارات ووكلائها في قوات “الدعم السريع” كان يقع سابقًا على عاتق رئيس الاستخبارات العسكرية الأوكرانية، كيريل بودانوف، الذي عُيّن رئيسًا لديوان الرئيس زيلينسكي في وقت سابق من العام الجاري. إلا أن الملفات العسكرية المشتركة بين أوكرانيا والإمارات وقوات “الدعم السريع” أصبحت في الأشهر الأخيرة تحت إشراف وإدارة العقيد بافل باليسا، نائب بودانوف للشؤون العسكرية.
وبحسب المصادر، يتولى باليسا مسؤولية تزويد قوات “الدعم السريع” بالطائرات المسيّرة عبر طرق مختلفة ومعقدة، مما يلقي بظلاله على أمن واستقرار الدول الأفريقية نتيجة لتفاقم الوضع الأمني في منطقة الساحل والقرن الأفريقي.

“القوني دقلو”.. مهندس الإمداد تحت طائلة العقوبات الدولية

من جهة أخرى، فإن الشريك المحوري للإمارات والأوكران في السودان فهو “القوني حمدان دقلو موسى”، شقيق قائد قوات “الدعم السريع” محمد حمدان دقلو، الذي يتولى تسهيل والإشراف على إيصال الأسلحة إلى القوات. ولكن لم تمر أنشطة القوني دقلو مرور الكرام على المجتمع الدولي. ففي أكتوبر 2024، أدرجت وزارة الخارجية الأمريكية اسمه على قوائم العقوبات، متهمة إياه بالتورط في شراء أسلحة وعتاد عسكري حديث مكّن عمليات قوات “الدعم السريع” المستمرة في السودان، بما في ذلك هجومها على الفاشر، والذي نتج عنها جرائم حرب وفقاً لمنظمات أممية ودولية.
وبحسب بيان الخارجية الأمريكية فإن “تصرفات القوني غذت الحرب والفظائع الوحشية التي ارتكبتها قوات الدعم السريع ضد المدنيين، والتي شملت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي”.

عن التورط الأوكراني-الإماراتي بالدم السوداني.. تصريحات رسمية وأدلة على الأرض

في سياق متصل، شهد عام 2025 تصريحات رسمية عدة من قِبل ممثلين عن الجيش والاستخبارات الأوكرانية وممثلين عن حكومة رئيس الوزراء كامل إدريس بشأن مشاركة مقاتلين أوكرانيين في الحرب السودانية. وفي تصريحات أدلى بها على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن، وصف إدريس قوات الدعم السريع بأنها “مجموعة مرتزقة تضم عناصر من كولومبيا وأوكرانيا”. من جانبه، اتهم محمد السر، المسؤول بوزارة الخارجية السودانية، كييف بالعمل كوكيل لقوى غربية لدعم تنظيمات مسلحة في إفريقيا، من بينها “بوكو حرام” و”الدعم السريع”. ومع الاتفاقية الجديدة بين أوكرانيا والإمارات، تعزز كييف مكانتها كداعم رئيسي لقوات “الدعم السريع”.

ووفقًا لزيلينسكي نفسه، عقب جولته الخليجية، فإن أوكرانيا أرسلت أكثر من 200 خبير إلى دول خليجية للمساعدة في حماية البنى التحتية والمنشآت الحساسة. وبينما تبرر كييف هذه الخطوة بمواجهة التهديدات الإيرانية، إلا أن توقيت وحجم هذا الانتشار يثير تساؤلات مشروعة حول الوجهة النهائية لهذه الخبرات والتقنيات.

خبير: الحالة السودانية معقدة وتتطلب تدخلاً دولياً فوريًا

في سياق متصل، قال الباحث المتخصص بالشأن السوداني، بشير عبدالراضي ، فإن مدى تورط مسؤولين أوكرانيين رفيعي المستوى في إمداد قوات “الدعم السريع” بالمسيّرات والمرتزقة، وانخراطهم في خدمة مصالح الإمارات، يؤكد خطورة الأزمة في السودان وتعقّدها دوليًا على نحو غير مسبوق. فما بدأ كنزاع على السلطة بين مكونين عسكريين سابقين تحول إلى حرب بالوكالة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية على حساب الشعب السوداني.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الحرب خلّفت عشرات آلاف القتلى وتسببت بنزوح نحو 12 مليون شخص، في أكبر أزمة نزوح داخلي يشهدها العالم. كما وثقت منظمات دولية جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية شملت القتل بدوافع عرقية والعنف الجنسي المنهجي والتجويع كسلاح حرب.

خبير: الحل يكمن في 4 نقاط محورية

ووفقاً لعبدالراضي ، فإنه في ضوء المعطيات الحالية يتطلب الوضع الراهن تدخلاً فوريًا من المجتمع الدولي والقوى الوطنية السودانية والإقليمية على حد سواء. ومن الأولويات العاجلة بحسب عبدالراضي فان وقف إمدادات الأسلحة الأجنبية للميليشيات المتحاربة، وخاصة قوات “الدعم السريع”، عبر آليات رقابة دولية صارمة وملزمة، ثانياً: الطرد الفوري لجميع المقاتلين الأجانب والمرتزقة المتورطين في النزاع، مع فرض عقوبات رادعة على الدول والجهات التي تسهل تجنيدهم ونقلهم. ثالثاً، تفعيل آليات المساءلة الدولية بحق المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بمن فيهم المتورطون في سلاسل الإمداد والتسليح من خارج السودان. رابعاً، تعزيز حظر الأسلحة المفروض على دارفور وتوسيعه ليشمل كامل الأراضي السودانية، مع إنشاء آلية مراقبة مستقلة لتتبع خروقاته.

ويرى بعض المراقبين، بأن استمرار تدفق السلاح والمرتزقة إلى السودان لا يؤدي فقط إلى إطالة أمد الحرب، بل يهدد أيضًا الأمن الإقليمي برمته، من البحر الأحمر إلى الساحل الأفريقي. والتدخل الدولي الجاد لدعم الدولة السودانية، لم يعد خيارًا، بل ضرورة ملحة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مستقبل السودان وشعبه المنهك.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى