تقرير – نبض السودان
تطل برأسها أزمة تمثيل حادة تهدد جوهر العملية السياسية المرتقبة في ألمانيا، حيث رصدت دوائر مراقبة تدخلات سافرة من أجهزة المليشيا الأمنية في صياغة وفد المشاركين. العملية التي بدأت كترشيحات مدنية صرفة من قوى سياسية حليفة، انتهت بتصفية استخباراتية ممنهجة طالت كل من لا يسير في ركاب التوجه العام للمتمردين. هذا التقرير يسلط الضوء على خطورة “أمننة” العمل السياسي وتحويل المشاركة الدولية إلى مكافأة للولاء المطلق، مما يفرغ الحوار من محتواه الوطني.
تدخل مباشر
كشفت الوقائع عن قيام جهاز استخبارات المليشيا بممارسة دور “الرقيب الأعلى” على ترشيحات القوى السياسية المنخرطة معها، حيث جرى فحص الأسماء المقدمة بعناية أمنية فائقة تتجاوز المعايير المتفق عليها، مما أفقد الكيانات المدنية سلطتها الرمزية في اختيار ممثليها المستقلين، وحول العملية برمتها إلى إجراء إداري يخضع لمباركة ضباط الأمن الذين باتوا يمتلكون حق الفيتو على أي اسم لا يرون فيه التبعية المطلقة لمشروعهم.
مطاردة رقمية
خضع المرشحون لعملية “تفتيش ضمائر” عبر سجلاتهم التاريخية على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تم استبعاد كل من جهر برأي مخالف في الماضي أو انتقد انتهاكات المليشيا في أي موقع، مما يكرس لسياسة تكميم الأفواه حتى في الفضاءات الافتراضية، ويؤكد أن الرقابة الأمنية باتت تلاحق السودانيين في كل مكان، محولةً حق التعبير عن الرأي إلى عبء يمنع صاحبه من ممارسة حقوقه السياسية والدبلوماسية في المحافل الدولية.
فلترة دارفور
كان الموقف الأخلاقي والسياسي من أحداث “دار زغاوة” هو المعيار الذهبي للإقصاء الفوري، حيث تم عزل كل شخصية عبّرت عن تضامنها مع الضحايا أو أدانت العنف الممارس هناك، في محاولة بائسة لطمس الحقائق الميدانية ومنع وصول الأصوات التي قد تخدش الرواية الرسمية للمليشيا أمام الألمان والمجتمع الدولي، مما يثبت أن الخوف من الحقيقة هو المحرك الأساسي لهذه الهندسة الأمنية التي تستهدف تغييب الشهود على الجرائم.
خرق الحقوق
يمثل هذا السلوك انتهاكاً صارخاً للمواثيق الدولية التي تكفل حرية الرأي والتعبير للجميع دون تمييز، فالحرمان من الحق في التمثيل السياسي بناءً على مواقف فكرية أو سياسية شخصية هو قمة الاستبداد، ويعكس عقلية أمنية قمعية لا تزال ترى في الاختلاف السياسي جرماً يستوجب العقاب والحرمان، وهو ما يتناقض تماماً مع شعارات التحول المدني والديمقراطي التي تحاول المليشيا وحلفاؤها تسويقها زوراً وبهتاناً أمام الرأي العام العالمي.
إساءة النفوذ
استغلت المليشيا سطوتها الميدانية لفرض اصطاف سياسي وإعلامي قسري على حلفائها المدنيين، محولةً العملية الدبلوماسية إلى أداة لترسيخ نفوذها العسكري، وهو ما يندرج تحت طائلة التدخل غير المشروع الذي يقوض نزاهة التمثيل، ويحول دون التعبير الحر عن التنوع السياسي السوداني العريض، ويجعل من الوفد المشارك مجرد “جوقة” تردد ما يُملى عليها من تعليمات أمنية، بدلاً من أن يكون منصة لطرح حلول وطنية شاملة.
غياب المصداقية
تضرب إعادة هندسة الوفود على أسس الولاء الاستخباراتي مصداقية مؤتمر برلين في مقتل، حيث سيظهر الوفد ككتلة صماء تردد صدى خطاب واحد مهندس بعناية في غرف الاستخبارات، مما يمنع حدوث أي نقاش موضوعي أو شفاف حول جذور الأزمة السودانية وسبل الحل الحقيقي، ويحول المؤتمر إلى مجرد تظاهرة علاقات عامة تهدف لتجميل وجه التمرد القبيح، وهو ما يدركه المراقبون الدوليون الذين يرفضون مسرحيات التمثيل الزائف.
تقويض الثقة
هذا النهج الإقصائي الفج يزرع بذور الشك والريبة بين الأطراف المشاركة، ويضعف شرعية أي مخرجات أو وثائق قد تصدر عن المؤتمر، فالتمثيل المهندس أمنياً لا يمكنه التحدث باسم الشعب السوداني العظيم، ولن تجد نتائجه أي طريق للقبول لدى القوى الوطنية الحية التي تم تغييب ممثليها الحقيقيين واستبدالهم بشخصيات منقاة بعناية لضمان عدم الخروج عن النص المرسوم من قِبل قادة المليشيا وأجهزتها الاستخباراتية المتغولة.
نمط متكرر
تظهر هذه التصرفات إصرار المليشيا على ضبط المجال العام بقوة السلاح والرقابة الأمنية، وإعادة صياغة المشهد السياسي بما يخدم مصالحها الضيقة فقط، بعيداً عن قيم الشفافية والعدالة، مما يعزز بيئة الإقصاء السياسي ويهدد استقرار أي عملية سلمية مستقبلاً، ويؤكد أن وجود المليشيا كطرف سياسي هو أكبر مهدد للتعددية والديمقراطية في السودان، نظراً لعدائها المتأصل لحرية الرأي واعتمادها الكلي على الأجهزة الاستخباراتية في إدارة شؤونها.
بشارة النصر
تظل هذه التجاوزات الأمنية في قائمة برلين شاهداً على ضيق أفق المليشيا وخشيتها من الصوت المستقل الشجاع. إن صناعة التمثيل السياسي في غرف الاستخبارات المظلمة لن تقود إلا إلى حلول هشة تفتقر للغطاء الشعبي والشرعية الأخلاقية. يجب على المجتمع الدولي حماية استقلالية المشاركين وضمان تمثيل يعكس تباين الرؤى السودانية بصدق، فالحوار الحقيقي يبدأ باحترام حرية التعبير، وينتهي بمخرجات وطنية خالصة لا تمليها فوهات البنادق أو تقارير المخبرين.











