مقالات الرأي

بين النيل والفرات.. الزيارة الأربعينية وجسر المحبة بين مصر والعراق

متابعات- نبض السودان

في كل عام، حين يقترب العشرون من صفر، تبدو كربلاء وكأنها تستعيد نبضها الأول؛ فتتحول الطرق المؤدية إليها إلى مشهد إنساني وروحي فريد، يمضي فيه الملايين نحو مرقد الإمام الحسين بن علي، يحملون في قلوبهم الحزن والوفاء، وفي خطواتهم معنى المحبة والانتماء. فالزيارة الأربعينية لم تعد مجرد مناسبة دينية عند المشاركين فيها، بل أصبحت ظاهرة إنسانية واسعة تتجلى فيها قيم الإيثار والكرم والتكافل وخدمة الإنسان.

لكن الحديث عن الأربعين لا ينبغي أن يبقى محصوراً في جغرافيا العراق؛ فالحسين عليه السلام سيد شباب أهل الجنة في الوجدان الإسلامي، ليس ابن كربلاء وحدها، كما أن محبة أهل البيت عليهم السلام ليست شأناً يخص بلداً دون آخر. ومن هنا تبدو العلاقة بين مصر والعراق جديرة بالتأمل: النيل والفرات يلتقيان في الذاكرة الروحية عند محبة آل بيت النبي صلى الله عليه وآله.

مصر.. بلد يعرف طريق المحبة

لم تكن مصر بعيدة عن محبة أهل البيت عبر تاريخها الثقافي والديني. ففي القاهرة، ارتبطت الذاكرة الشعبية بأسماء ومقامات آل البيت، وفي مقدمتها مسجد الإمام الحسين والسيدة زينب والسيدة نفيسة والسيدة سكينة، وتحولت هذه الأماكن إلى فضاءات روحية يقصدها الناس، كلٌّ بحسب معتقده وطريقته وتعبيره عن المحبة.

وهنا تكمن خصوصية مصر؛ فالمحبة فيها لم تكن دائماً خطاباً مذهبياً مغلقاً، بل دخلت في نسيج الثقافة الشعبية والوجدان الصوفي والشعر والإنشاد والاحتفال بالمناسبات الدينية. ولهذا فإن اسم الحسين في مصر يحمل، لدى قطاعات واسعة من الناس، معنى يتجاوز الحدود المذهبية إلى معاني الشهامة والكرامة والصبر والوفاء.

ومن القاهرة التي تحتضن ذاكرة أهل البيت، يمكن أن نفهم لماذا يجد المصري نفسه قريباً وجدانياً من كربلاء، حتى إن لم تطأ قدماه أرض العراق.

العراق.. حين تتحول المحبة إلى طريق

أما العراق، فهو الأرض التي شهدت الفاجعة الحسينية، وفيها أصبحت كربلاء رمزاً عالمياً للتضحية والوقوف في وجه الظلم. وفي الزيارة الأربعينية تتحول المحبة إلى فعل يومي؛ ملايين الناس يمشون، وآلاف المواكب تفتح أبوابها للطعام والشراب والمبيت والخدمة، في مشهد تتداخل فيه العبادة مع العمل الاجتماعي.

وتشير المصادر العراقية إلى أن طرق الزائرين لا تقتصر على مسار واحد؛ فهناك طريق النجف–كربلاء، وطريق بغداد–كربلاء، وطريق البصرة وغيرها، فيما يأتي الزائرون أيضاً من خارج العراق. وقد أصبحت المشاية واحدة من أبرز سمات الزيارة الحديثة.

واللافت أن أجمل ما في المشهد ليس عدد السائرين فقط، وإنما فكرة الخدمة التي تتقدم على الذات: شخص يقدّم الماء، وآخر يطهو الطعام، وثالث يوفر مكاناً للراحة، ورابع يمضي ساعات طويلة في خدمة غريب لا يعرفه. وهنا تتحول ذكرى الحسين إلى سلوك اجتماعي حي.

من القاهرة إلى كربلاء.. وحدة في الوجدان

إذا كان العراقيون يجسدون حب الأمام الحسين في الطريق إلى كربلاء، فإن المصريين يحملون جزءاً من هذه المحبة في ذاكرتهم الشعبية والروحية. وفي الحالتين يظهر الحسين بوصفه رمزاً للوفاء والكرامة ومقاومة الظلم.

والأهم أن المقارنة بين مصر والعراق لا ينبغي أن تكون بحثاً عن أي البلدين أكثر حباً لأهل البيت؛ فالمحبة ليست مسابقة، ولا تُقاس بعدد الزائرين أو طول الطرق التي يقطعها الإنسان. المحبة الحقيقية تُقاس بما تتركه سيرة أهل البيت في أخلاق الإنسان وسلوكه وعلاقته بالآخر.

وهذه نقطة جوهرية في فهم الأربعين: أن المشي إلى كربلاء لا يكتمل إذا لم يتحول إلى مشي أخلاقي في الحياة.

فالحسين الذي خرج من أجل الحق والكرامة لا يريد من محبيه أن يتذكروا اسمه فقط، وإنما أن يتذكروا قيمه أيضاً: العدل، والرحمة، والوفاء، والشجاعة، ونصرة المظلوم، وصيانة كرامة الإنسان.

الأربعين.. رسالة تتجاوز الحدود

من المشاهد اللافتة في الزيارة الأربعينية مشاركة زائرين من بلدان متعددة، وحضور أتباع ديانات ومذاهب وشرائح اجتماعية مختلفة في هذه المناسبة.

وهذا يمنح الأربعين بعداً يتجاوز الانتماء الجغرافي. فحين يسير إنسان من بلد بعيد آلاف الكيلومترات، أو يقف عراقي على طريق كربلاء ليقدم الماء والطعام لزائر غريب، فإن المشهد يقول شيئاً أعمق من الكلمات: هناك ذاكرة إنسانية قادرة على جمع الناس حول قيمة مشتركة.

ومن هذه الزاوية، تستطيع مصر والعراق أن يقدما نموذجاً مهماً في التواصل الثقافي والروحي؛ فمصر تمتلك ذاكرة عريقة في محبة أهل البيت، والعراق يحتضن الأرض التي ارتبطت بأعظم فصول المأساة الحسينية، وبين الذاكرتين مساحة واسعة للتعارف والحوار والتقارب.

سيد شباب أهل الجنة جسرا بين الشعوب

ربما تكون أعظم رسالة يمكن أن تحملها الأربعين اليوم هي أن الإمام الحسين ليس عنواناً للفرقة، بل يمكن أن يكون عنواناً للالتقاء حول القيم.

فالحسين ابن بيت النبوة، ومحبة أهل البيت جزء أصيل من الوجدان الإسلامي، وقد بقيت هذه المحبة حاضرة في ثقافات الشعوب الإسلامية، وإن اختلفت صور التعبير عنها. وفي مصر أخذت المحبة أشكالاً روحية وشعبية وثقافية متعددة، وفي العراق تجسدت بصورة بالغة الوضوح في الزيارة والمواكب والخدمة.

وهنا يصبح الطريق من مصر إلى العراق طريقاً رمزياً قبل أن يكون طريقاً جغرافياً: من النيل إلى الفرات، ومن القاهرة إلى كربلاء، ومن الذكرى إلى الموقف، ومن المحبة إلى الأخلاق.

ما الذي يمكن أن نتعلمه من الأربعين؟

إن أجمل ما يمكن أن تقدمه الزيارة الأربعينية للأجيال الجديدة هو أن تجعل من محبة أهل البيت مشروعاً أخلاقياً واجتماعياً، لا مجرد شعارات موسمية.

أن نتعلم من الحسين أن الكرامة لا تُشترى.

وأن نتعلم من العباس معنى الوفاء.

وأن نتعلم من زينب قوة الإنسان حين يتمسك بالحق.

وأن نتعلم من مواكب الخدمة أن العطاء لا يحتاج إلى معرفة اسم من نعطيه.

وأن نتعلم من اجتماع الناس على طريق كربلاء أن اختلاف البلاد واللهجات والمذاهب لا يمنع الإنسان من أن يرى في الآخر أخاً له في الإنسانية.

وهذه المعاني قادرة على أن تجعل العلاقة بين مصر والعراق أعمق من مجرد علاقات ثقافية أو سياسية؛ إنها علاقة ذاكرة وحضارة ووجدان.

خاتما: حين يلتقي النيل بالفرات

بين مصر والعراق خيط طويل من التاريخ العربي والإسلامي، لكن محبة أهل البيت تمنح هذا الخيط بعداً وجدانياً خاصاً. ففي القاهرة مقامات تستدعي الذاكرة، وفي كربلاء طريق يمتلئ بالخطى، وبينهما قلوب ترى في الحسين رمزاً للوفاء والحرية والكرامة.

ولذلك فإن الزيارة الأربعينية، في معناها الأعمق، ليست فقط رحلة إلى مكان، وإنما رحلة إلى قيمة.

هي أن يمشي الإنسان مسافة طويلة لكي يتذكر أن الطريق إلى الحق يحتاج إلى صبر.

وأن يقدم الماء لكي يتذكر العطش.

وأن يخدم الغريب لكي يتذكر أن الإنسان أخو الإنسان.

وأن يرفع اسم الحسين لكي يتذكر أن الأسماء العظيمة لا تُخلَّد بالكلمات وحدها، وإنما بالأخلاق التي تظل حية بعد أصحابها.

ومن النيل إلى الفرات، تبقى المحبة لغةً قادرة على اختصار المسافات؛ فمصر تحمل في وجدانها حب أهل البيت، والعراق يحمل في أرضه ذاكرة الحسين، وبينهما يظل صوت المحبة أكبر من الحدود.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى