
متابعات – نبض السودان
تثير الحرب الدائرة على إيران منذ نحو ثلاثة أسابيع مخاوف متصاعدة بشأن تأثيراتها المحتملة على إمدادات الأدوية وارتفاع تكاليف التصنيع والاستيراد، في وقت يعاني فيه السودان أصلًا من انهيار شبه كامل في قطاع الصناعات الدوائية وشح النقد الأجنبي. وتستعد السلطات الصحية في البلاد لأسوأ الاحتمالات تحسبًا لأي اضطرابات إضافية في سلاسل الإمداد.
وتشير تقديرات رسمية إلى أن نحو 85% من القطاع الصناعي السوداني تضرر جراء الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ عام 2023، بما في ذلك مصانع الأدوية في ولاية الخرطوم التي كانت تنتج نحو 80 صنفًا دوائيًا قبل أن يتعرض بعضها للتدمير ويتوقف البعض الآخر بسبب انعدام الأمن.
وفي هذا السياق، عقد وزير الصحة السوداني هيثم محمد إبراهيم الاجتماع الثاني لمجلس التنسيق الصيدلاني للعام 2026، بمشاركة قيادات القطاع الصحي والدوائي. وقال الوزير إن الاجتماع ناقش ثلاثة محاور رئيسية، أبرزها ضمان الوفرة الدوائية في ظل تطورات الحرب في الخليج، وتأمين الإمداد عبر الصندوق القومي والشركات، إضافة إلى فتح منافذ تعاون جديدة مع دول أخرى.
كما تناول الاجتماع ملف التصنيع الدوائي ومشروعات الاستثمار الداخلي، بما في ذلك مدينة “ترياق” الصناعية، حيث جرى الاتفاق على وضع رؤية متكاملة لدعم القطاع. وبحث المجلس كذلك مقترح منظمة الصحة العالمية بشأن الشراء الموحد لدول الإقليم، وأكد الوزير موافقة السودان على الانضمام للمبادرة لتعزيز الأمن الدوائي.
ويرى مسؤولون وخبراء تحدثوا لـ“سودان تربيون” أن الحرب في الشرق الأوسط ستنعكس مباشرة على إمدادات الأدوية للسودان، سواء عبر تأخر الشحنات أو ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين. وأعلن المجلس القومي للأدوية والسموم اتخاذ سلسلة من التدابير لتفادي أي نقص محتمل، من بينها تفعيل بروتوكولات تعاون مع دول خارج منطقة الخليج والتوسع في التصنيع التعاقدي.
وقال الأمين العام للمجلس، محمد بشير، إن الإجراءات شملت أيضًا مراجعة مخزون الصندوق القومي للإمدادات الطبية، خصوصًا أدوية الكلى والسرطان والطوارئ.
من جانبه، أوضح رئيس شعبة مستوردي الأدوية، وليد محمد أحمد، أن أبرز التحديات تتمثل في تأخر الشحنات وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين بنسبة تتراوح بين 100% و120%، إضافة إلى زيادة أسعار المواد الخام. وأشار إلى أن ميناء بورتسودان لا يزال يستقبل شحنات منتظمة حتى الآن، لكنها شحنات كانت مجدولة قبل اندلاع الحرب، بينما تواجه الشحنات الجديدة تأخيرات ملحوظة.
وحذر من أن أي نقص في الإمدادات سينعكس مباشرة على توفر الأدوية في الصيدليات، لافتًا إلى أن الموردين البديلين مثل مصر والأردن والسعودية وتركيا قد يتأثرون بدورهم، نظرًا لاعتمادهم على مواد خام تأتي من دول تمر بمناطق النزاع.
أما المحلل الاقتصادي هيثم محمد فتحي، فأكد أن استمرار الحرب سيؤدي إلى ارتفاع تكلفة المنتج النهائي نتيجة زيادة أسعار النفط، ما ينعكس على تكاليف الإنتاج والنقل والتأمين. ورغم أن السودان لا يعتمد بشكل مباشر على استيراد الأدوية من دول الخليج، إلا أن التوتر في مضيق هرمز قد يؤثر على حركة التجارة العالمية.
ودعا فتحي إلى تكوين مخزون كافٍ من الأدوية، خاصة للأمراض المزمنة والحرجة، وتشكيل لجنة لإدارة الأزمة ومراقبة المخزون. كما رأى أن الأزمة قد تمثل فرصة للسودان للتحول من مستورد إلى منتج ومصدر للأدوية، اعتمادًا على الكفاءات الصيدلانية والخبرة الصناعية المتوفرة في ولايات الوسط والشرق.
وكان قطاع الصناعات الدوائية قبل الحرب يسهم في تقليل الاعتماد على الاستيراد وتوفير أدوية أساسية بأسعار مناسبة، لكن تقريرًا للمجلس القومي للأدوية والسموم منتصف 2024 أظهر أن الحرب أدت إلى شلل شبه كامل في القطاع. كما أفاد الصندوق القومي للإمدادات الطبية بتراجع المخزون الاستراتيجي من الأدوية الأساسية إلى أقل من 20% من مستواه قبل الحرب.











