
متابعات- نبض السودان
تصدر قرار واشنطن القاضي بتصنيف الإخوان المسلمين في السودان كجماعة إرهابية عناوين الأخبار، وسط تداخل السياسة بالدماء في الصراع السوداني القائم. وأثار القرار تساؤلات جوهرية حول كونه نقطة تحول في الحرب المستمرة أم مجرد خطوة سياسية معقدة، تزامناً مع تدهور الأوضاع الإنسانية ومحاولات تحقيق السلام.
ترحيب سياسي واتهامات بالتدخل الإقليمي
رحبت كيانات وأحزاب سياسية مناهضة للحركة الإسلامية بهذا القرار الذي انتظرته طويلاً، بينما ربط آخرون الخطوة بنفوذ إماراتي داخل الإدارة الأمريكية استغل توترات الشرق الأوسط. وأشار مراقبون إلى أن ذكر العلاقات مع إيران في نص القرار يعكس صراع المحاور، مما قد يؤدي لإحداث شرخ في مسيرة الحركة الإسلامية.
كتيبة “البراء” وتحركات الخارجية الأمريكية
أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية إدراج الحركة الإسلامية على قائمة المنظمات الإرهابية العالمية، مع تعتزم تصنيفها كمنظمة إرهابية أجنبية في 16 مارس الجاري. وجاء القرار في ظل قتال مجموعات إسلامية، في مقدمتها كتيبة البراء بن مالك، إلى جانب الجيش السوداني ضد مليشيا الدعم السريع في عدة مناطق قتالية.
اتهامات بالعنف المفرط والدعم الإيراني
أفادت الخارجية الأمريكية بأن جماعة الإخوان وجناحها المسلح، كتيبة البراء بن مالك، تستخدم عنفاً غير مقيد ضد المدنيين لتقويض جهود حل النزاع. وقالت الجماعة ساهمت بأكثر من 20 ألف مقاتل في الحرب، تلقى العديد منهم تدريباً ودعماً من الحرس الثوري الإيراني، بحسب ما ورد في تقرير الوزارة.
الجذور التاريخية وصراعات السلطة بالخرطوم
تأسست الحركة الإسلامية في السودان على يد الراحل حسن الترابي عقب خلافات مع التنظيم العالمي، وقادت انقلاب 1989 بقيادة عمر البشير. وظل البشير في السلطة لثلاثة عقود حتى أطيح به بثورة شعبية في أبريل 2019، ليعود دور الحركة للواجهة مجدداً وبشكل فاعل بعد اندلاع الحرب الحالية في البلاد.
ماركو روبيو يحدد موعد التنفيذ
أكد وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، إدراج الجماعة بقائمة الإرهابيين العالميين المصنفين بشكل خاص، مشيراً لتنفيذ قرار التصنيف كمنظمة أجنبية منتصف مارس. وذكر روبيو أن الجماعة تسعى لتعزيز أيديولوجيتها العنيفة عبر استهداف المدنيين، وهو ما يستدعي محاسبة المسؤولين عن ارتكاب جرائم ضد العزل وتقويض عمليات الاستقرار المرجوة.
واشنطن تلوح بأدوات مكافحة الإرهاب
قال مستشار الرئيس الأمريكي، مسعد بولس، إن التصنيف يؤكد استخدام واشنطن لجميع الأدوات المتاحة لمكافحة الإرهاب والتصدي للنفوذ الخبيث لإيران بالسودان. وشدد بولس على ضرورة موافقة الأطراف فوراً على هدنة إنسانية تتيح إيصال المساعدات الحيوية للمدنيين، وتمهد الطريق نحو إنهاء المعاناة الإنسانية وتحقيق الاستقرار المنشود في المنطقة.
لوبيات الضغط والالتفاف على الأهداف
اعتبر الدبلوماسي السابق، كاميرون هدسون، أن واشنطن تربط التصنيف بحملة الضغط على إيران، مشيراً لدور جماعات ضغط مدعومة وممولة من مصادر إسرائيلية وإماراتية. وتساءل هدسون عبر منصة “إكس” عن كيفية تحديد هوية المنتمين للإخوان في السودان بدقة، واصفاً الطريقة التي تحقق بها الهدف بأنها “ملتوية” وتخدم أجندات إقليمية معينة.
مطالبات بتصنيف مليشيا الدعم السريع
دعا السيناتور جيم ريتش، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، للنظر بجدية في تصنيف مليشيا الدعم السريع كمنظمة إرهابية أجنبية أسوة بالإخوان. وأشار ريتش إلى أن المليشيا تقود حملة إرهابية ذات طابع إبادي في السودان، مما يستدعي اتخاذ إجراءات أكثر صرامة تجاهها لمواجهة الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها بحق المدنيين.
قراءة في موازين القوى الميدانية
يرى الخبير أحمد عمر أن الشعب كان ينتظر تصنيف مليشيا الدعم السريع التي ارتكبت أفظع الجرائم، بدلاً من استهداف المجموعات المساندة للجيش. واعتبر عمر أن القرار يهدف لإضعاف العمليات العسكرية الناجحة، ويتعارض مع المخطط الغربي الرامي للحفاظ على موازين القوى دون انتصار نهائي لأي طرف في الصراع الحالي.
التحوطات الأمريكية وتأمين المصالح الإسرائيلية
لفت عمر إلى أن القرار يعكس تحوطات أمريكية لمنع وجود مجموعات مساندة لإيران تأميناً لظهر واشنطن وإسرائيل، لكنه لن يؤثر على العمليات. وأكد أن إرادة الشعب السوداني أقوى من القرارات الخارجية، مستشهداً بصمود السودان سابقاً أمام الحصار الاقتصادي والعسكري الأمريكي الذي لم يمنع عجلة الإنتاج والتصنيع الدفاعي.
غموض التصنيف وإشكاليات الهوية التنظيمية
يرى الباحث محمد تورشين أن التصنيف لم يكن واضحاً كفاية، متسائلاً إن كان يستهدف “تنظيم الإخوان” المحدود سياسياً أم “الحركة الإسلامية” للمؤتمر الوطني. وأوضح تورشين أن الإخوان قد يلتفون على القرار بالقول إنهم حركة إسلامية، مشيراً لإشكالية تصنيف شخصيات مثل الناجي عبدالله الذي ينتمي للمؤتمر الشعبي لا الوطني.
تعقيدات المشهد وفرض العقوبات الشاملة
أضاف تورشين أن المسألة معقدة ولا يمكن تصنيف المجموعة في اتجاه واحد إلا برغبة أمريكية في فرض عقوبات شاملة على الجميع بالساحة. واعتبر أن استهداف جناح المؤتمر الوطني يأتي لامتلاكهم فصائل مقاتلة، بينما يهدف الضغط على الجهات الرافضة للتطبيع مع إسرائيل إلى تحجيم نفوذها وتأثيرها في الحياة السياسية القادمة.
إعادة ترسيم المشهد الإقليمي العام
يربط الكاتب طاهر المعتصم القرار بسلسلة توجهات أمريكية لحظر الجماعة بالمنطقة، ولا يمكن عزله عن تصنيف حماس وحزب الله وإخوان السعودية والأردن. وأوضح المعتصم أن القرار يتوازي مع عقوبات سابقة طالت علي كرتي وأشخاصاً تابعين للتنظيم، كجزء من عملية إعادة ترسيم المشهد السياسي والأمني في المنطقة برمتها.
مأزق المؤسسة العسكرية مع الكتائب
أشار المعتصم إلى أن تأثيرات القرار ستكون كبيرة، لأن المؤسسة العسكرية لا تتحمل التعامل مع وعاء لجماعة محظورة ككتائب البراء التي تقاتل معها. واعتبر أن التصعيد الإعلامي لمجموعة البراء بن مالك منذ فترة هو ما قادها لهذا التصنيف، مما يضع الجيش في مواجهة تعقيدات قانونية ودولية قد تؤثر على التحالفات الميدانية.
مستقبل الحرب واحتمالات التغيير
يبقى التساؤل قائماً حول ما إذا كان التصنيف سيغير موازين القوى أم سيزيد تعقيد الأوضاع، في ظل تأثيره المؤكد على المشهد السياسي والعسكري. ويتطلب القرار من الأطراف السودانية التعامل بجدية ومسؤولية مع هذه المتغيرات الدولية لضمان مستقبل مستقر، بعيداً عن صراعات الأيديولوجيا والعقوبات التي تلاحق الفاعلين في الميدان.











