الخرطوم – نبض السودان
شهد الاقتصاد السوداني خلال الأيام الماضية سلسلة من التطورات المتزامنة، تمثلت في تدخلات جديدة لبنك السودان المركزي في سوق النقد، واستقرار نسبي لسعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية، إلى جانب استمرار أسعار الوقود عند مستوياتها الحالية، في وقت يرى مراقبون أن هذه المؤشرات تعكس محاولة رسمية لاحتواء الضغوط الاقتصادية دون أن تعني بالضرورة تجاوز الأزمة.
وأعلن بنك السودان المركزي سحب ست فئات نقدية صغيرة من التداول ومنح المواطنين مهلة لاستبدالها، في خطوة تهدف إلى إعادة تنظيم الكتلة النقدية وتحسين جودة التداول، وتأتي ضمن إجراءات أوسع يتخذها البنك منذ أشهر لضبط السيولة والحد من الاختلالات في السوق النقدية.
وتزامنت هذه الخطوة مع استقرار نسبي في سعر صرف الجنيه بالسوق الموازية، بعد موجة ارتفاع دفعت الدولار إلى مستويات غير مسبوقة خلال الأسابيع الماضية، قبل أن يتراجع عقب تدخلات البنك المركزي بضخ النقد الأجنبي لتلبية احتياجات المستوردين. وكانت محافظ البنك المركزي آمنة ميرغني قد أكدت استمرار هذه السياسة إلى حين عودة السوق إلى مستويات أكثر استقرارًا.
ورغم هذا الهدوء في سوق الصرف، لم ينعكس التحسن على أسعار الوقود التي ظلت مستقرة عند مستوياتها المرتفعة، وسط تأكيدات حكومية بأن تسعير المشتقات النفطية يعتمد على تكلفة الاستيراد وسعر الصرف وتكاليف النقل والتشغيل، وهو ما يجعل أي انخفاض محدود في سعر الدولار غير كافٍ لإحداث تراجع مباشر في الأسعار.
وتأتي هذه التطورات بعد أسابيع من اتجاه الحكومة إلى تولي استيراد المشتقات النفطية بصورة مباشرة، في خطوة تهدف إلى تقليل الطلب على العملات الأجنبية وضبط سوق الوقود والحد من الضغوط على الجنيه، بينما يرى اقتصاديون أن نجاح هذه السياسة سيظل مرتبطًا بتوفير موارد مستقرة من النقد الأجنبي.
وكان وزير المالية جبريل إبراهيم قد أقر سابقًا بأن الحكومة كانت تتوقع ارتفاع سعر الدولار نتيجة تداعيات الحرب، مشيرًا إلى أن الضغوط على سوق النقد ترتبط بتراجع الصادرات والإيرادات العامة وتقلص موارد النقد الأجنبي منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
ويرى مراقبون أن استقرار سعر الصرف خلال الأيام الأخيرة يمثل مؤشرًا إيجابيًا لكنه يظل هشًا في ظل استمرار الحرب واتساع الإنفاق الحكومي وتراجع النشاط الإنتاجي وغياب تدفقات النقد الأجنبي. ويؤكدون أن استعادة التوازن الاقتصادي لن تتحقق عبر التدخل في سوق الصرف وحده، وإنما تتطلب تعافي الإنتاج الزراعي والصناعي وزيادة الصادرات، باعتبار أن أزمة النقد الأجنبي ترتبط أساسًا بتراجع موارد الاقتصاد الحقيقي أكثر من ارتباطها بحركة السوق الموازية.
وفي المحصلة، تبدو الأسواق أكثر استقرارًا مقارنة بالأسابيع الماضية، إلا أن هذا الهدوء يظل اختبارًا مؤقتًا لاقتصاد أنهكته الحرب، حيث يبقى استقرار الجنيه مرهونًا بزيادة الإنتاج وتعافي الصادرات وضبط الإنفاق العام، وهي ملفات يصعب تحقيق تقدم مستدام فيها ما لم تتراجع تداعيات النزاع المستمر على النشاط الاقتصادي في البلاد.











