اخبار السودان

ابتكار سوداني يختصر الزمن في تشخيص أورام الدماغ

رصد – دكتور عبدالله الحسن

في قصة تلخص معنى الإصرار السوداني في المهجر، بدأت الحكاية عند الساعة الرابعة عصر السادس عشر من الشهر الجاري في أحد شوارع القاهرة، حين اندفعت فتاة سودانية شابة لا تتجاوز الرابعة والعشرين من عمرها مسرعة نحو مصعد العمارة التي تسكن فيها أسرتها. لم تكن السرعة مجرد حركة عابرة، بل كانت فرحةً لا تُكبح بعد إعلان فوزها بجائزة “سوداني” للمشروعات المبتكرة. والدها، الذي لحق بالكاتب وهو يحمل علبة حلوى، قال بفخر إن ابنته دعاء كمال محمد الحسن كانت في طريقها لتبشير والدتها بالخبر السعيد.

بعد خمسة أيام، جاء الموعد المتفق عليه لإجراء اللقاء الصحفي. حضرت دعاء برفقة والدها، وجلست بخمارها ووقارها، لتبدأ حديثها قائلة إنها عُيّنت حديثًا مساعدة تدريس بكلية العلوم الرياضية والمعلومات بجامعة الخرطوم، وإن مشروع تخرجها هو نفسه المشروع الذي نالت به الجائزة الثانية من شركة الاتصالات “سوداني”.

تشرح دعاء أن مشروعها يقوم على تطوير نظام ذكي يعتمد على تقنيات التعلم العميق لتحليل وتصنيف أورام الدماغ من صور الرنين المغناطيسي بدقة عالية، بحيث يعمل كأداة مساعدة للطبيب، تختصر الزمن اللازم لتحليل الصور الطبية، وتقلل احتمالات الخطأ الناتج عن ضغط العمل وتشابه الحالات. وتؤكد أن القرار الطبي النهائي يظل حصريًا للطبيب المختص، وأن النظام لا يحلّ محلّ الخبرة الطبية بل يدعمها.

اختارت دعاء وزميلتاها رهام عمار محجوب عثمان ومي مكاوي محمد أبوزيد هذا المشروع انطلاقًا من أهمية التشخيص المبكر لأورام الدماغ، وما يتطلبه تحليل صور الرنين المغناطيسي من وقت وخبرة. رأت الطالبات أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يختصر هذا الزمن إلى ثوانٍ معدودة، ويقدم مؤشرات أولية تساعد الطبيب في اتخاذ قرار أكثر دقة وكفاءة.

شاركت دعاء وفريقها في مسابقة “سوداني” للمشروعات المبتكرة، وهي مبادرة لدعم رواد الأعمال الشباب واكتشاف الأفكار الريادية. فاز المشروع بالجائزة الثانية بقيمة 9 ملايين جنيه سوداني، ستُوظف بالكامل لتطوير النموذج، وتوسيع قاعدة البيانات، وتحسين واجهة الاستخدام، وإجراء اختبارات إضافية لرفع كفاءة النظام، إضافة إلى استكشاف فرص التعاون مع الجهات الصحية لضمان جاهزية التطبيق للاستخدام العملي.

توضح دعاء أن تحليل صور الرنين المغناطيسي قد يستغرق وقتًا طويلًا لدى الأطباء، خاصة في الحالات المعقدة، بينما يقوم التطبيق بتحليل الصورة خلال 5–10 ثوانٍ فقط بعد رفعها، محققًا دقة تقارب 97.35% في مرحلة الاختبار. يعمل النظام عبر رفع صورة الـMRI، ثم تحليلها تلقائيًا باستخدام نموذج ذكاء اصطناعي يعرض نوع الورم المحتمل ونبذة تعريفية عنه.

وتشدد دعاء على أن المشروع لا يعدّل جهاز الرنين المغناطيسي نفسه، بل هو نظام مستقل يعمل على الصور الناتجة من الجهاز. وقد طُوّر في نسخته الحالية كتطبيق ويب، ويمكن مستقبلاً دمجه مع الأنظمة الطبية في المستشفيات ليعمل كأداة دعم للطبيب دون أي تعديل على الأجهزة.

وتدرس دعاء وفريقها حاليًا الجوانب القانونية المتعلقة بحماية الملكية الفكرية، تمهيدًا لتسجيل الابتكار وحفظ حقوق الفريق: دعاء كمال محمد الحسن، رهام عمار محجوب عثمان، مي مكاوي محمد أبوزيد، والمشرف الأستاذ خالد عبيد خيري. وبعد ذلك يخطط الفريق للترويج للمشروع عبر المؤتمرات العلمية والمعارض التقنية والمسابقات المتخصصة، وبناء شراكات مع المستشفيات والمؤسسات الصحية.

تقول دعاء إن رسالة المشروع هي الإيمان بأن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون شريكًا فاعلًا في تطوير القطاع الصحي وتحسين جودة الخدمات. فالتكنولوجيا لم تعد رفاهية، بل أصبحت وسيلة حقيقية لإنقاذ الأرواح ودعم الأطباء في اتخاذ قرارات دقيقة وسريعة.

وفي مشهد يلخص الكثير، كانت علبة الحلوى التي قدمها الأب بداية قصة نجاح سودانية في المهجر. دعاء وفريقها لم يكتفوا بمشروع تخرج، بل حولوه إلى أداة طبية قابلة للتطبيق تختصر ثواني قد تعني الفرق بين الحياة والموت. ما حققته هذه المجموعة من طالبات جامعة الخرطوم يؤكد أن العقول السودانية قادرة على المنافسة عالميًا رغم الظروف الصعبة. وبينما تنتظر دعاء دعمًا فعليًا لتحويل نموذجها من تطبيق ويب إلى نظام معتمد في المستشفيات، تبقى رسالتها واضحة: التكنولوجيا أمل جديد لقطاع صحي أنهكته الأزمات.

لعل جائزة “سوداني” تكون بداية الطريق لا نهايته، لابتكار سوداني يستحق أن يغادر قاعات الجامعة إلى غرف العمليات.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى