
بورتسودان – محمد مصطفى
في مشهد سياسي اتسم بالترقب والاهتمام، احتضنت مدينة بورتسودان، اليوم، أعمال الاجتماع التنظيمي الثاني للكتلة الديمقراطية بفندق مارينا. وقد جاء الاجتماع في توقيت بالغ الحساسية، وسط تحولات سياسية وأمنية متسارعة، ما جعل منه محطة محورية في مسار الكتلة التي تسعى إلى إعادة ترتيب صفوفها وتثبيت هياكلها التنظيمية استعداداً للمرحلة المقبلة.
ورغم الأجواء الحماسية التي طبعت الجلسة الافتتاحية، فإن الخطابات التي أُلقيت حملت قدراً كبيراً من الواقعية، واستشعاراً واضحاً لحجم التحديات التي تواجه البلاد، وللمسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق القوى السياسية.
الميرغني: وحدة الكتلة ليست ترفاً بل ضرورة وطنية
افتتح رئيس الكتلة الديمقراطية، مولانا جعفر الميرغني، الجلسة بكلمة أكد فيها أن وحدة الكتلة “ليست ترفاً بل سلاحاً وحيداً” في مواجهة التحديات الراهنة. وأشار إلى أن الكتلة التي “وُلدت من رحم الضرورة” قبل الحرب، تواجه اليوم اختباراً حقيقياً في قدرتها على إدارة التنوع الداخلي وصناعة التوافق.
وتوقف الميرغني عند جملة من المؤشرات التي وصفها بالإيجابية، مثل عودة الحركة إلى الخرطوم، واستئناف الرحلات الجوية، وجلوس مئات الآلاف من الطلاب للامتحانات، إلى جانب التحركات الإقليمية والدولية الأخيرة. واعتبر أن هذه التطورات تفرض على الكتلة أن تكون جاهزة للمرحلة المقبلة بخطاب موحد ورؤية واضحة.
أكد رئيس الكتلة الديمقراطية ونائب رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل جعفر الميرغني أن الإيمان بوحدة السودان ما زال راسخاً ولم يمت، رغم مرور ثلاث سنوات من الحرب والدمار التي خلّفت أعداداً كبيرة من النازحين واللاجئين، وأدت إلى خروج مدن كاملة من الخريطة.
وأشار إلى أن هناك بوادر أمل تلوح في الأفق، مع بدء عودة الحياة تدريجياً إلى العاصمة الخرطوم، مؤكداً أن السودان لا تنقصه القدرات العسكرية أو المقاتلون، بل يفتقر إلى العمل السياسي الفاعل.
وأوضح أن غياب السياسة خلال السنوات الماضية أدى إلى حالة من الجمود والاستقطاب، واصفاً المشهد السياسي الحالي في السودان بـ”حديث الطرشان”، داعياً في الوقت ذاته إلى تبني الحوار كمدخل أساسي لإنهاء الأزمة.
واختتم تصريحه بالترحيب بأي جهود للحوار، مشدداً على أن السودان يتجه نحو إنهاء الحرب واستعادة الاستقرار.
وأوضح الميرغني أن لحظة الانتخابات تمثل الاختبار الحقيقي لوحدة الصف الوطني، مشدداً على ضرورة ضبط مسار الحوار المرتقب بما يحقق توافقاً شاملاً بين مختلف الأطراف.
وأشار إلى أن وتيرة التحركات في المحافل الدولية تتسارع، في وقت يتزايد فيه اهتمام العالم بالشأن السوداني، ما يتطلب تقديم صوت موحد يعكس رؤية وطنية متماسكة.
ودعا الميرغني إلى الخروج بمسار واحد وورقة موحدة تتضمن أجندة واضحة، تشمل إقرار النظام الأساسي والهياكل التنظيمية، وقراءة دقيقة للمشهدين السياسي والأمني، إلى جانب توحيد موقف الكتلة في المحافل الدولية.
وأبرز أهمية فتح الباب أمام انضمام تنظيمات جديدة لتعزيز وحدة الصف، بما يسهم في دعم جهود الاستقرار وتهيئة البلاد لمرحلة قادمة تقوم على التوافق والعمل المشترك.
الأمين داوود: الكتلة أصبحت “الضرورة نفسها”
وفي مداخلة حملت طابعاً تنظيمياً، قال رئيس اللجنة التحضيرية، القائد الأمين داوود محمود، إن الكتلة الديمقراطية لم تعد مجرد “وليدة ضرورة”، بل أصبحت “الضرورة نفسها” في ظل الفراغ السياسي الذي تحاول بعض القوى ملأه.
وأشار إلى أن الكتلة واجهت خلال الفترة الماضية عقبات ومنعرجات صعبة، ما يستدعي “مهندساً” يمهّد الطريق، موضحاً أن هذا “المهندس” هو وحدة قوى الكتلة وتصويب أهدافها. وأكد أن الاجتماعات السابقة كانت تُرفع فيها التوصيات إلى المجلس الرئاسي، بينما يمثل اجتماع بورتسودان انتقالاً إلى مستوى أعلى من الفعل المؤسسي.
مناوي: الشعب ينتظر دوراً أكبر للكتلة الديمقراطية
أما رئيس اللجنة السياسية وحاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، فقد شدد على أن بقاء الكتلة وتماسكها يمثلان “ضرورة وطنية”، مؤكداً أن الشارع السوداني ينتظر دوراً أكبر للكتلة في التعبير عن قضايا السلام ووحدة السودان.
وقال مناوي إن التحديات التي تواجه البلاد كبيرة، وإن الكتلة مطالبة بأن تكون في صدارة العمل السياسي، مضيفاً أن “العمل السياسي متاح، والشارع السوداني متاح، والشعب السوداني ينتظر الإنجاز”. كما أشاد بجهود اللجنة التحضيرية في الإعداد للاجتماع، مؤكداً أن اللحظة تتطلب برنامجاً عملياً يضع الكتلة في موقع الفعل لا رد الفعل.
أجندة الاجتماع: “تسكين” الهياكل وتوحيد الخطاب السياسي
ناقش الاجتماع مجموعة من البنود التنظيمية والسياسية التي وُصفت بأنها “مفصلية”، أبرزها:
– إقرار النظام الأساسي واستكمال الهياكل التنظيمية “التسكين”.
– قراءة المشهد السياسي والأمني داخلياً وإقليمياً ودولياً.
– توحيد موقف الكتلة تجاه المحافل الدولية والمبادرات المطروحة، بما فيها المبادرة المصرية ومخرجات برلين ودعوة الحوار الوطني.
– مناقشة انضمام تنظيمات جديدة إلى قوى الكتلة الديمقراطية.
– استعراض الأوراق والمقترحات المقدمة من التنظيمات المشاركة.
وأكدت قيادة الكتلة ضرورة الالتزام بموقف موحد يمثلها أمام كل المحافل، مع تجنب إصدار مواقف فردية خارج إطار ما يتم الاتفاق عليه.
بين “ولادة الضرورة” و”استحقاق المؤسسية”
يبدو أن الكتلة الديمقراطية، التي تشكلت في ظروف سياسية معقدة، تحاول اليوم الانتقال من مرحلة “رد الفعل” إلى مرحلة “الفعل المؤسسي”، عبر بناء هياكل واضحة، وتحديد أولوياتها، وتوحيد خطابها السياسي.
ويأتي اجتماع بورتسودان ليشكل خطوة جديدة في هذا الاتجاه، وسط توقعات بأن تشهد المرحلة المقبلة مزيداً من الحراك السياسي، سواء على مستوى الداخل أو في المحافل الإقليمية والدولية.











