اخبار السودان

التدهور البيئي في السودان.. الحرب وتغير المناخ يضاعفان الكلفة النفسية والاجتماعية

تحقيق: رقية الشفيع

بينما تتجه الأنظار إلى الخسائر البشرية والاقتصادية التي خلفتها الحرب في السودان منذ أبريل 2023، تتشكل في صمت أزمة أخرى لا تقل خطورة، أزمة تضرب الغابات والأراضي الزراعية والمياه والموارد الطبيعية، وتمتد آثارها إلى الإنسان نفسه، لتطال صحته النفسية وتماسك مجتمعه.

إن الحرب لم تدمر المدن والبنى التحتية فحسب، فقد أطلقت موجة جديدة من الضغوط البيئية فوق تحديات كانت البلاد تواجهها بالفعل نتيجة تغير المناخ والتصحر والفيضانات. ومع نزوح الملايين واتساع رقعة الدمار، أصبحت البيئة السودانية إحدى أكثر ضحايا الصراع تضرراً، في وقت تتراجع فيه قدرة الدولة على حمايتها أو إعادة تأهيلها.

وفي هذا التحقيق، ترصد “سوداناو” كيف تحولت الأزمة البيئية إلى أزمة إنسانية واجتماعية، وما الذي يعنيه ذلك لمستقبل السودان، من خلال قراءة يقدمها البروفيسور معاذ شرفي، اختصاصي علم النفس والاجتماع والتربية.

البيئة… الضحية المنسية للحرب

يصف البروفيسور معاذ شرفي التدهور البيئي في السودان بأنه “مأساة صامتة”، تتشابك فيها الأزمات السياسية والاقتصادية مع النزاعات المسلحة، موضحاً أن التغير المناخي وتجريف الغابات والتلوث الناتج عن الحرب لم تعد مجرد تحديات بيئية، وإنما تحولت إلى عوامل رئيسية تدفع نحو الاضطرابات النفسية وتفكك النسيج الاجتماعي.

ويشير إلى أن السودان يُعد من أكثر الدول تأثراً بتغير المناخ، الأمر الذي جعل آثار التدهور البيئي أكثر عمقاً وتعقيداً، خاصة في ظل استمرار الحرب وانهيار كثير من الخدمات الأساسية.

حين يفقد الإنسان أرضه… تبدأ معاناة النفس

في دارفور وكردفان وشرق السودان، لم يعد المزارعون والرعاة يخسرون محاصيلهم ومواشيهم فقط، بل فقد كثير منهم إحساسهم بالأمان والاستقرار بعد أن أتت موجات التصحر والفيضانات على مصادر رزقهم.

ويرى شرفي أن هذه التحولات تخلق أنماطاً جديدة من الاضطرابات النفسية، أبرزها “حزن الفقد البيئي” أو Solastalgia، وهو الألم النفسي الذي يصيب الإنسان عندما يرى المكان الذي ينتمي إليه يتغير ويفقد ملامحه الطبيعية.

ويضيف أن هذا الواقع يغذي أيضاً الاكتئاب والقلق المزمن، نتيجة انعدام القدرة على التنبؤ بالمستقبل، وتراجع الأمن الغذائي، وتحول مساحات واسعة من الأراضي الخصبة إلى أراضٍ قاحلة بفعل انخفاض الأمطار والتصحر.

التلوث… وجه آخر للحرب

لم تعد الحرب تخلّف الدمار المرئي فقط، فقد خلفت أيضاً تلوثاً بيئياً واسع النطاق.

إن أصوات الانفجارات والحرائق المستمرة، إلى جانب انتشار المواد الكيميائية السامة الناتجة عن مخلفات الأسلحة، والتعدين التقليدي للذهب باستخدام السيانيد والزئبق، كلها عوامل تؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر الهرموني، وتنعكس بصورة مباشرة على الصحة النفسية والجسدية، خاصة لدى الأطفال والنساء الحوامل.

ويؤكد شرفي أن تلوث المياه وانهيار النظام البيئي جعلا الحصول على مياه شرب آمنة تحدياً يومياً، الأمر الذي حوّل الحياة إلى معركة مستمرة من أجل البقاء، وقلص فرص التعافي النفسي لدى ملايين السودانيين.

الموارد المتناقصة… وقود جديد للنزاعات

لا يقف أثر التدهور البيئي عند حدود الصحة النفسية، إنما يمتد إلى العلاقات الاجتماعية.

فمع تقلص الأراضي الزراعية والمراعي وزحف الصحراء جنوباً، اشتدت النزاعات التقليدية بين الرعاة والمزارعين بسبب تداخل مسارات الرعي مع الأراضي الزراعية، وهي صدامات كثيراً ما تتحول إلى نزاعات إثنية أو سياسية مسلحة، الأمر الذي يهدد السلم الأهلي ويقوض تاريخاً طويلاً من التعايش بين مكونات المجتمع السوداني.

 

الهجرة القسرية… أسر تتفكك ومدن تختنق

دفعت الكوارث البيئية والحرب آلاف الأسر إلى النزوح نحو المدن أو مناطق التعدين.

وفي كثير من الحالات، اضطر الآباء إلى مغادرة أسرهم بحثاً عن العمل، بينما تحملت النساء مسؤولية إعالة الأسرة وتربية الأطفال في ظروف معيشية شديدة القسوة، وهو ما زاد من الضغوط النفسية والاجتماعية، وأسهم في تفكك الروابط الأسرية.

أما المدن، فقد وجدت نفسها أمام توسع عمراني عشوائي يفتقر إلى الخدمات الأساسية وشبكات الصرف الصحي، مما خلق بيئات خصبة للإحباط الاجتماعي، والتوتر بين السكان والوافدين، وارتفاع معدلات الجريمة.

عندما تمرض الأرض… يمرض المجتمع

ويلخص البروفيسور معاذ شرفي المشهد بقوله إن البيئة ليست قضية ثانوية أو ترفاً علمياً، بل هي أساس الصحة والعافية.

ويؤكد أن التصحر والتلوث لا يصيبان الأرض وحدها، وإنما ينعكسان على الإنسان بالاكتئاب والصدمة، وعلى المجتمع بالنزاعات والنزوح، مشدداً على أن أي تدخلات إنسانية لن تحقق أهدافها إذا اقتصرت على الدعم النفسي، دون معالجة العدالة البيئية وإعادة تأهيل النظم الطبيعية التي يعتمد عليها ملايين السودانيين.

الغابات… شريان حياة يواجه الاستنزاف

ورغم التدهور الكبير، لا تزال الغابات تمثل أحد أهم مقومات الحياة في السودان.

وتشير تقديرات سابقة إلى أن مساهمة الغابات في الطاقة القومية بلغت نحو ملياري دولار سنوياً، إضافة إلى توفير مواد بناء تقدر قيمتها بنحو 83 مليون دولار سنوياً، وهو ما يوضح حجم الخسائر الاقتصادية والبيئية التي خلفها تراجع الغطاء الغابي.

ومع نزوح الملايين وغياب سلطة الدولة في كثير من المناطق، تحولت الغابات إلى مصدر مفتوح للحطب ومواد البناء، بينما استخدمت أجزاء منها في العمليات العسكرية للتمويه والتحصين، ما أدى إلى تراجع الكثافة الشجرية بصورة كبيرة، خاصة حول المدن ومخيمات النزوح.

خطة لإعادة إعمار الغابات… والطريق ما يزال طويلاً

ورغم قتامة المشهد، بدأت الدولة في إعداد خطة لإعادة إعمار الغابات تستهدف نحو 300 ألف هكتار كمرحلة أولى، ضمن رؤية استراتيجية كانت تهدف قبل الحرب إلى رفع الغطاء الغابي إلى 20% من مساحة السودان، بما يعادل نحو 38 مليون هكتار.

وتبلغ التكلفة الإجمالية للمشروع نحو 105 ملايين دولار، منها 35 مليون دولار لإعادة تعمير الغابات، و25 مليون دولار لدعم قطاع الصمغ العربي وإشراك المجتمعات المحلية، و20 مليون دولار لاستعادة الآليات ووسائل الحركة، إضافة إلى 25 مليون دولار لتأهيل البنية التحتية من مكاتب ومشاتل ومعدات.

وتركز الخطة على مناطق حزام الصمغ العربي، والغابات النيلية، وجبال النوبة، والأحزمة الشجرية المحيطة بمعسكرات النازحين، كما تقوم على إشراك المجتمعات المحلية، ودمج الشباب والنازحين في عمليات التشجير والإدارة المستدامة للغابات.

وتتضمن الخطة أيضاً التوسع في استخدام بدائل الطاقة، مثل المطابخ الشمسية والغاز، للحد من الاعتماد على الحطب، إلى جانب تطبيق نموذج “الحماية التشاركية” الذي يمنح المجتمعات المحلية دوراً محورياً في حماية الغابات.

التمويل… الحلقة الأكثر هشاشة

لكن نجاح هذه الخطة يظل مرتبطاً بتوفير التمويل اللازم، والحصول على دعم دولي من صناديق المناخ، إلى جانب إنشاء نظام وطني للرصد البيئي يعتمد على صور الأقمار الصناعية والتقنيات الحديثة لمتابعة التغيرات البيئية وإدارة الموارد بكفاءة.

بين الدمار والأمل

يكشف الواقع عن دمار واسع أصاب الغابات في اثنتي عشرة ولاية سودانية تمكنت الجهات المختصة من الوصول إليها وحصر مواردها، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن قدرة الطبيعة على استعادة عافيتها متى ما توفرت الإرادة السياسية، والشراكات الفاعلة، والتمويل الكافي، والإدارة الرشيدة.

إن الرسالة التي تفرضها الوقائع اليوم واضحة؛ لا أمن غذائياً دون غابات، ولا استقرار بيئياً دون استعادتها، ولا يمكن بناء مستقبل مستدام للسودان ما لم تُنظر إلى الغابة باعتبارها نظام حياة متكاملاً، لا مجرد مورد طبيعي، لأنها في النهاية تمثل صمام أمان للإنسان، والمجتمع، والتنمية، والسلام.

سوداناو وقفت علي حجم المأساة وترك الارض والديار والبحث عن الأمن البداية كانت مع السيدة ماجدة عبدالله ربة منزل نزحت مع اسرتها الكبيرة والصغيرة التي تعمل بالزراعة والىعي في ولايات دارفور وكردفان ، ،تقول ماجدة
شهدت ولايات كردفان ودارفور موجة نزوح قسري واسعة بسبب الحرب، طالت المناطق الزراعية والرعوية التي يعتمد عليها أغلب السكان. وقد أدى هذا النزوح إلى تدمير شامل للممتلكات ونهب الموارد وتشريد الأسر، مما خلف آثاراً عميقة على حياة الإنسان السوداني المرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأرض والمهنة والنسيج الاجتماعي. عبر هذا اللقاء رصد أبرز لكم الآثار النفسية والمادية والاجتماعية للنزوح على فئات المزارعين والرعاة والتجار.

أولاً: الأثر النفسي والمادي على النازحين* تمثل الأثر المادي في فقدان الأرض الزراعية، الآليات، البذور، والمخازن. ضياع الموسم الزراعي بالكامل مما أدى إلى انعدام مصدر الدخل والتحول من الإنتاج إلى الاعتماد الكلي على المعونات. ، اما الأثر النفسي فقد تمثل في إحساس عميق بالقهر والذل وفقدان الهوية و إصابة المزارع بالإحباط والاكتئاب نتيجة عجزه عن إعالة أسرته من عرق جبينه كما اعتاد.

الراعاة وأصحاب الثروة الحيوانية

الأثر المادي كان كبيرا والخسارة مؤلمة فقد نهبت وفقدت المواشي التي تمثل رأس المال والمدخرات. اضافة الي فقدان المرعى ومصادر المياه. انهيار كامل للمهنة الأساسية. مما ترك أثرا نفسيا و صدمة وحزن شديد. ، المواشي عند الراعي ليست مال فقط بل جزء من الهوية والمكانة الاجتماعية، ففقدانها يسبب شعور بالخواء وفقدان السند.

اما التجار فقد كانت ماساتهم اكبر فقد تسبب نهب وحرق المحلات التجارية. في ضياع رأس المال والبضائع. فقدان الزبائن والسوق الذي تم بناؤه لسنوات. مما ترك اثرا سيما في نفوس التجار و إحساس بالفشل وخسارة عمر من الشقاء في لحظة. خوف من البدء من الصفر في بيئة جديدة وغريبة.

تواصل السيدة نجوي مأساءة اسرتها بكل مشاعر الحزن والاسي وتقول ان فقدان الهوية اقسي وأصعب من فقد المال اذ تمثل الأرض في وجدان الإنسان السوداني ليست مجرد حيازة زراعية. هي التاريخ، والأهل، والكرامة، والانتماء. عند النزوح يشعر الإنسان كأنه قد تم اقتلاعه من جذوره. يصاب بحالة من “الغربة الداخلية” حتى وهو في وطنه، ويفقد الإحساس بالانتماء والأمان. هذا يؤدي إلى اكتئاب حاد، قلق مستمر، وفقدان معنى للحياة لأن مصدر الفخر والهوية قد سُلب منه.

وايضا فقدان قيمة التكافل “النفير” والقيم الراسخة

“النفير” والفزعة واللمة هي شبكة الأمان الاجتماعي والنفسي للمجتمع.
مع النزوح تنهار هذه المنظومة ويصبح كل فرد يحمل همه بنفسه. هذا يسبب:

عزلة اجتماعية وشعور بالوحدة. ، ضعف القدرة على المواجهة لأن الفرد فقد السند الجماعي. ،ضياع المهارات المرتبطة بالزراعة التقليدية القائمة على التعاون، مما يزيد من الهشاشة الاقتصادية والنفسية.

من الآثار الاجتماعية للنزوح القسري ايضا فقدان النسيج الاجتماعي، حيث تشتت القبيلة والحلة. افتراق الأهل والجيران في مناطق مختلفة. ضياع شبكة العلاقات التي كانت توفر الحماية والدعم، فيصبح الفرد ضعيفاً ووحيداً.
وهنا يتغير دور الأسرة تماما

انهيار دور الأب كمعيل أساسي بسبب فقدان العمل. اضطرار المرأة للخروج للعمل في ظروف قاسية. تحمل الأبناء مسؤوليات أكبر من عمرهم. تبدل الأدوار مما يسبب ضغط وتوتر داخل الأسرة.

تسرب الأطفال من التعليم

بسبب الفقر وعدم القدرة على دفع الرسوم، وبُعد المدارس في مناطق النزوح، وحاجة الأسرة لعمل الأطفال. ضياع مستقبل جيل كامل وزيادة خطر عمالة الأطفال والاستغلال.

في ختام حديثها لسوداناو تقول السيدة نجوي
إن الحرب ف كردفان ودارفور لم تدمر المباني والممتلكات فقط، بل استهدفت “طريقة الحياة” بأكملها القائمة على الأرض والزراعة والرعي والتكافل، مخلفة جروح نفسية ومادية واجتماعية عميقة تحتاج لتدخل عاجل.

في منحي اخر مع جهه رسميه سوداناو التقت المهندس عمار بشير مسؤل الأمن الغذايء بوزارة الزراعة والموارد الطبيعية والذي قال : الدمار الذي اصاب البلاد كلن كبيرا وممنهجا وشاملا وركز علي اهم والولايات المنتجة وهي ولايات الوسط قبل السودان النابض بالانتاج (الخرطوم الجزيرة سنار ) اضافة الي ولايات النيل الازرق ، كردفان ودارفور

فكان النزوح واللجوء احد اهم ما خلفته الحرب فكان الأثر سلبا علي الزراعة والرعي ، فالنفس البشرية التي كانت تقوم بفلاحة الارض وزراعتها ورعاية الحيوان فقدت نزحت الي مناطق اخري بحثا عن الأمان فقد تكون تلك المناطق غير مهياة لممارسة بذات الدرجة التي اعتاد عليها في أرضه، ووطنه، فهناك عمله وحياته مما أثر علي الزراعه ،والوعي وعلي المنتج نفسه فقل إنتاجه أو كاد ان ينعدم ، مما نتج عنه عدم توفر الغذاء بالتالي الانتاج وهو من العوامل الرئيسية لتحقيق الأمن الغذايء ، تحيط به مجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية تكتنف ايضاجودة وسلامة الغذاء الذي يتاثر بالعوامل التقلبات المناخية ومخاطر الموارد الطبيعية لذا فإن النزوح يؤثر بطريقة مباشرة علي هذه المكونات التي تجبر المواطن علي النزوح وترك المنطقة منطقة مربع إنتاجه الي من منطقه اخري لايتوفر فيها تلك الخصائص ، يقول المهندس عمار الا ان المنظور في السودان ان هناك معادله ربانية فقد استطاع المواطن السوداني ورغم الحرب ان يكون هناك وضع غذايء أمن وأن تكون هناك ولايات امنه من حيث عدم دخول الحرب إليها هذه الولايات اضفات نوع من المعادلة حيث استطاعت تلك الولايات الامنه ان تسد النقص الذي حدث في ولايات الانتاج ولايات النزاع والحرب كما استطاعت ان توفر ملازا أمانا بايواء النازحين والفارين من جحيم الحرب

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى