السودان على صفيح الوصاية.. هل يقايض البرهان السلطة بالقبول بالشروط الأمريكية وعودة «حمدوك»؟

متابعات- نبض السودان
في الوقت الذي تقترب فيه رحى الحرب المشتعلة في السودان من عامها الرابع، مخلّفة وراءها آلاف الضحايا وملايين النازحين واللاجئين، تتسارع وتيرة التحركات الدبلوماسية في الغرف المغلقة، كاشفة عن ملامح تسوية سياسية مثيرة للشبهات.
حيث تُشير المعطيات والتسريبات المتطابقة إلى هندسة أمريكية لاتفاق لوقف إطلاق النار، قد يحمل في طياته فخاً يضع سيادة السودان على المحك، ويفرض وصاية خارجية تعيد إنتاج كيانات وشخصيات سياسية وعسكرية لفظها الشارع السوداني، وعلى رأسها تنسيقية “صمود”، ورئيسها عبد الله حمدوك، وقوات “الدعم السريع” التي تتألف من مجموعة ميليشيات.
لقاء القاهرة.. ضغوط أمريكية وتمهيد للتسوية
في سياق متصل، برز اللقاء النادر الذي جمع مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، بقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان الأسبوع الفائت في العاصمة المصرية القاهرة.
وجاء هذا الاجتماع بعد أقل من أسبوعين على خطوة تصعيدية لافتة تمثلت بامتناع واشنطن عن منح البرهان تأشيرة دخول لحضور اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وهي خطوة أكدت مصادر سودانية مطّلعة أنها ورقة ضغط مرتبطة برفض الحكومة السودانية لمقترح وقف إطلاق النار المدعوم أمريكياً.
وكات الولايات المتحدة الأمريكية، قد مارست عبر مبعوثها مسعد بولس، ضغوطاً مكثفة لوقف الحرب المندلعة منذ 15 إبريل/نيسان 2023. وترافق ذلك مع تصريحات صريحة لوزارة الخارجية الأميركية الشهر الماضي، جردت فيها كلاً من القوات المسلحة السودانية وقوات “الدعم السريع” من صفة “الحكم الشرعي والدستوري للسودان”. ورغم هذه المواقف، صرح بولس مؤخراً بأن بلاده “مستعدة لدعم حوار شامل يؤدي إلى خريطة طريق أولية لمستقبل السودان”.
يُذكر أن اللجنة الرباعية (السعودية، الولايات المتحدة، الإمارات، ومصر) كانت قد طرحت في سبتمبر/أيلول 2025 خريطة طريق تبدأ بهدنة إنسانية وعملية سياسية انتقالية، إلا أن الجيش السوداني رفضها حينها بناءً على التراجع العسكري للدعم السريع ورغبة بعض القوى الإقليمية بإعطاءه فرصة لـ لملمة خسائره، مما أدى لانهيار المساعي واستمرار المعارك.
خيانة بصورة مقايضة.. السلطة مقابل القبول بالشروط الأمريكية
في سياق متصل، كشفت تقارير إعلامية نقلاً عن مصادر دبلوماسية سودانية وغربية، عن معلومات بالغة الخطورة تفيد باحتمالية قبول قائد الجيش عبد الفتاح البرهان للشروط الأمريكية لوقف الحرب. وتتضمن هذه الشروط تنازلات جوهرية تمس صلب القرار السيادي السوداني، أبرزها الموافقة على عودة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، و”تنسيقية صمود” إلى سدة الحكم والحياة السياسية، مقابل ضمان بقاء البرهان على رأس السلطة. هذه التسريبات تضع تساؤلات جدية حول مستقبل البلاد، خاصة وأن الاتفاق المطروح يُعيد إشراك قوات “الدعم السريع” وشخصيات مدنية لا تحظى بالشرعية الشعبية، في تجاهل تام للإرادة الوطنية السودانية الرافضة لهذه الكيانات.
خبير: مساعي واشنطن هي استثمار لمعاناة السودانيين وتكريس للوصاية والمصالح الأمريكية
من جهته، قال الباحث المتخصص في الشؤون السودانية، عبد الكريم الصومعي، بأن اللقاءات الأخيرة لمسعد بولس مع البرهان والحراك الدبلوماسي المكثف، لا يمكن قراءتها بمعزل عن مساعي واشنطن لاستثمار اللحظة الراهنة. ففي ظل التآكل المستمر لمؤسسات الدولة جراء الحرب، والضعف العام الذي تعاني منه الحكومة السودانية وحاجتها الماسة لإبرام اتفاق، تجد واشنطن فرصتها الذهبية لتمرير اتفاق يُلزم طرفي الصراع بمسار سياسي مُجهّز مسبقاً.
ويؤكد الخبير أن واشنطن لا تعبأ بالمعاناة الإنسانية للشعب السوداني بقدر اهتمامها بتحقيق مصالحها الاستراتيجية، مشيراً إلى أن أي اتفاق يُطبخ في الأروقة الأمريكية لن يعود بالنفع على السودان. بل على العكس، يُعد هذا الحراك “تمهيداً ناعماً” لوضع القيادة السودانية وقرارها السيادي تحت وصاية أمريكية كاملة، تضمن من خلالها واشنطن توجيه دفة السياسات الداخلية والخارجية للخرطوم، في حين يبدو البرهان مهتماً بتأمين موقعه في السلطة أكثر من اهتمامه بتداعيات هذا الاتفاق.
تحالف “صمود” واللوبيات الأمريكية.. الواجهة البديلة
وما يعزز فرضية الوصاية وانعدام الحياد الأمريكي، هو الدعم غير المعلن الذي تقدمه واشنطن لتحالف “صمود” بقيادة حمدوك، ليكون الواجهة السياسية لأي مرحلة انتقالية تُفرض عبر التسوية. هذا التوجه تكشفه بوضوح تقارير حديثة، أبرزها ما نشره موقع “راديو تمازج”، حول استعانة تحالف “صمود” بشركة علاقات عامة وضغط أمريكية (لوبي) مقابل مبالغ مالية ضخمة.
هذه الخطوة تؤكد عمق الارتباط العضوي بين هذا المكون المدني والإدارة الأمريكية، وتبرهن على أن واشنطن تعمل بنشاط لتهيئة بيئة سياسية بديلة، ودعم كيانات تفتقر للشرعية الشعبية، لتكون جاهزة لاستلام السلطة متى ما نجحت الضغوط في فرض التسوية. وعليه، فإن قبول البرهان بهذه الشروط لا يُعد مجرد مناورة سياسية، بل يُنظر إليه كخيانة للسودان وتسليمٍ له للوصاية الأمريكية بدافع الطمع في السلطة.
الضغط العسكري.. مسارات لوجستية مشبوهة
على الصعيد العسكري والميداني، تبدو الصورة مكملة للضغوط السياسية. ففي 21 أغسطس 2026، وقعت الولايات المتحدة وإثيوبيا اتفاقاً أمنياً وعسكرياً، تزامناً مع تصعيد عسكري ملحوظ في ولاية النيل الأزرق السودانية المتاخمة للحدود الإثيوبية.
لا ينظر المراقبون إلى هذا الاتفاق كتعاون أمني تقليدي، بل يطرح الخبراء تساؤلات مشروعة حول إمكانية تحوله إلى ستار يتيح لأديس أبابا تمرير مساعدات عسكرية ودعم لوجستي لتحالف قوات “الدعم السريع” مع “الحركة الشعبية-شمال”، وذلك تحت إشراف ورعاية أمريكية، مما يعقد المشهد الأمني ويزيد من خنق الجيش السوداني لإجباره على توقيع التسوية.
مفترق طرق
في المحصلة، يقف السودان اليوم على مفترق طرق تاريخي وخطير، فبين مطرقة الضغوط العسكرية والدبلوماسية الأمريكية، وسندان الأطماع الشخصية في البقاء بالسلطة، يبدو أن هناك طبخة سياسية تُعد في الخفاء لإجهاض إرادة الشعب السوداني.
حيث أن أي اتفاق يمنح واشنطن حق الوصاية، ويعيد تدوير كيانات سياسية وعسكرية كـ”حمدوك” و”صمود” و”الدعم السريع” رغماً عن الإرادة الشعبية، لن يكون سوى تأجيل لانفجار أكبر، وتكريسٍ لأزمة شرعية قد تعصف بما تبقى من مقومات الدولة السودانية. فهل سيختار البرهان موقعه في السلطة على حساب سيادة السودان ومستقبله واستقرار شعبه؟











