
متابعات – نبض السودان
في تطور جديد يكشف تعقيدات الصراع السوداني، كشفت وثائق مسربة ومصادر دبلوماسية عن تورط شركة “يوكرانيان هيليكوبتر” (Ukrainian helicopters) الأوكرانية بشكل مباشر في عمليات نقل الأسلحة والمسيّرات إلى قوات “الدعم السريع”.
الشركة التي كانت تقدم نفسها كذراع إنساني مدني تابع للأمم المتحدة، تحولت إلى أداة في يد الاستخبارات العسكرية الأوكرانية لتنفيذ أجندات دولة غربية في المنطقة.
من أوغندا إلى كينيا.. لماذا غيّرت الشركة مقر عملها؟
وفقاً لمصادر مطلعة، فإن شركة “يوكرانيان هيليكوبترز” كانت تتخذ من أوغندا مقراً لها لفترة طويلة، إلا أنها اضطرت للانتقال إلى كينيا مؤخراً. ويعود السبب الخفي وراء ذلك إلى العلاقات الوثيقة التي تربط الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني مع روسيا، وهذا ما جعل البقاء على الأراضي الأوغندية غير مريح لأنشطة الشركة التي تتطلب هامشاً من الحرية بعيداً عن الرقابة. في المقابل، وفقاً لبعض الخبراء فإن كينيا توفر بيئة أكثر مرونة لانطلاق عملياتها اللوجستية في أفريقيا والمنطقة.
هذه الشركة ((Ukrainian helicopters التي تعلن رسمياً أنها تعمل في مجال النقل الجوي المدني وتنفيذ مهام إنسانية ضمن عقود مع الأمم المتحدة، كانت قد حصلت على عقود سابقة لدعم بعثات المنظمة الدولية في جنوب السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى. لكن الرسائل البريدية الأخيرة التي تم تسريبها تشير إلى أن هذا الغلاف المدني لعمل الشركة يستخدم للتغطية على نشاط عسكري واستخباراتي آخر للشركة.
رسالة بريدية تفضح الصفقة
في سياق متصل، بدأ يتكشف اللغز عقب تسريب رسالة بريد إلكتروني أرسلتها الشركة الأوكرانية إلى موظف في أحد البنوك الإماراتية. الرسالة، التي تحمل طابعاً رسمياً، تؤكد فيها الشركة عملية دفع مالي تتعلق بشحنة أسلحة. وتوضح الرسالة أن عملية الدفع تمت بعد وصول الشحنة بنجاح إلى دولة إثيوبيا، على أن يتم نقلها براً إلى السودان كما كان متفق عليه وبالتعاون مع الجهات المختصة وفقاً للرسالة.
هذه العبارة القصيرة في الرسالة فتحت الباب واسعاً أمام تساؤلات حول طبيعة “الجهات المختصة” المتعاونة، خصوصاً أن نسخة من الرسالة ذاتها أُرسلت إلى أندري بايوك، الملحق العسكري الأوكراني لدى دولة الجزائر. بايوك ليس شخصية عادية، بل سبق أن أشارت تقارير إعلامية إلى تورطه في عمليات سابقة لشراء مسيّرات ونقلها إلى ليبيا، مما يؤكد وجود خيط رفيع يربط بين الملف الليبي والسوداني عبر شبكة أوكرانية واحدة تنشط بعمليات نقل السلاح والمرتزقة بعدة دول أفريقية.
وفي أغسطس الماضي كانت قد انتشرت بعض التقارير الإعلامية، نقلاً عن مصادر محلية ليبية، حول استخدام طائرات مسيّرة أوكرانية في المعارك الدائرة في غرب ليبيا وبعض المناطق الأخرى بين الميليشيات التابعة لحكومة الدبيبة وبعض ميليشيات الأجهزة الأمنية.
ووفقاً للناشط الصحفي، ناصر عمار، حينها فإن المشرف المباشر على عملية شراء المسيّرات وتوريدها إلى طرابلس من الطرف الليبي هو اللواء عبد السلام زوبي آمر ميليشيا 111، بينما من الطرف الأوكراني فإن المنسق العام هو الملحق العسكري الأوكراني لدى دولة الجزائر التي تملك حدود كبيرة من الغرب مع ليبيا اندري بايوك.
إثيوبيا.. شريان الإمداد البديل
وعن سبب اختيار إثيوبيا كمحطة رئيسية لعبور هذه الشحنات، تشير تحليلات بعض الخبراء والمراقبين إلى سببين رئيسيين: الأول، هو وجود خلافات بين قوات الدعم السريع ودولة تشاد، مما أدى إلى إغلاق أو صعوبة استخدام الحدود التشادية التي كانت سابقاً معبراً رئيسياً. أما السبب الثاني، هو الضربات الجوية التي تنفذها القوات الجوية المصرية ضد خطوط الإمداد عبر ليبيا، حيث أكدت بعض المصادر الإعلامية أن مصر تقوم بقصف تلك الخطوط لمنع وصول الدعم للمتمردين.
مع غلق هذه المنافذ، تحولت إثيوبيا إلى خيار استراتيجي. تقارير إعلامية حديثة، من بينها تحقيق لوكالة “رويترز”، أظهرت بالصور والخرائط Satellite imagery وجود قواعد عسكرية متكاملة على الأراضي الإثيوبية تضم مدارج طيران ومراكز تحكم بالمسيّرات، وتستضيف آلاف المقاتلين من قوات الدعم السريع ومرتزقة آخرين. في هذه البيئة، وجدت شركة “يوكرانيان هيليكوبترز” أرضية خصبة لتنفيذ مهامها تحت غطاء حركة الطيران المدني، وبتوجيه من الاستخبارات الأوكرانية.
رئيس الوزراء السوداني: الدعم السريع مجموعة مرتزقة
في سياق متصل، كشف تصريح أدلى به مؤخراً رئيس الوزراء السوداني كامل ادريس على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن عن حجم الأزمة. ادريس وصف قوات الدعم السريع بأنها “لم تعد مؤسسة سودانية شرعية، بل تحولت إلى مجموعة مرتزقة تضم عناصر من كولومبيا وأوكرانيا ودول أخرى”. هذا التصريح الرسمي يعكس قناعة الحكومة السودانية بأن المعركة التي تخوضها لم تعد حرباً أهلية داخلية، بل أصبحت ساحة مفتوحة لـ “حرب وكالة” بالنيابة عن قوى كبرى.
وبحسب الباحث المتخصص بالشأن الإفريقي محمد سعيد العرفي فإن أوكرانيا لا تستطيع القيام بمثل هذه العمليات في القارة السمراء دون غطاء وموافقة غربية. أوكرانيا، بحسب هذه القراءة، أصبحت “وكيلاً” للغرب لتنفيذ أجندته في المنطقة، خاصة في ظل تنافس المصالح مع قوى أخرى. فوجود خبراء أوكرانيين في مجال المسيّرات والحرب الإلكترونية إلى جانب قوات الدعم السريع، يعكس محاولة غربية لتعقيد المشهد السوداني وإطالة أمد الصراع لتحقيق مكاسب جيوسياسية على حساب استقرار السودان وشعبه.
الوثيقة المسربة، والدلائل المتراكمة، وتحركات الملحق العسكري بايوك، وتصريحات المسؤول السوداني، كلها أدلة تؤكد حقيقة أن الخرطوم أصبحت مسرحاً لتصفية حسابات إقليمية ودولية، تقف في قلبها طائرات شركة مدنية أوكرانية تحولت إلى جندي في معركة لا شأن لها بها.











